الفرار إلى الله سبحانه بلذيذ المناجاة
زاهر حسين العبدالله
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
زاهر حسين العبدالله

قال تعالى { أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) } الحديد .
مقدمة : العبادة لها ثلاث صور
ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
إلهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا طمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.
وفي موضع آخر قال : إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار. (١)
فأعلى مراتب اللذة والمناجاة والفرار لله سبحانه هو أن يعبد الله سبحانه لأنه أهلاً للعبادة هذه هي قمة الحرية فتصل إلى مقام ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في صفات المتقين
وهو [ لولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها..] (٢)
سيكون الكلام في محطتين
١-متى نصل لمرحلة العشق مع الحق سبحانه إلى درجة الفناء؟
٢-ما هي آثار هذا العشق في حياة الإنسان؟ وعلاقة ذلك بالحجة عليه السلام؟
أولاً : متى نصل لمرحلة العشق مع الحق سبحانه إلى درجة الفناء ؟
إن لكل شيء غسل وغسل الروح هو الخشية والخوف والرجاء والبكاء ولذة المناجاة مع الحق سبحانه في الخلوات قال الإمام الصادق -عليه السلام- في الكافي: "إن روح المؤمن لأشدّ اتصالا بروح الله، من اتصال شعاع الشمس بها".(٢)
أول طرق هذا العشق معرفة الحق سبحانه وتعالى
هنا نحتاج لكلام العرفاء الروحانيين الذين تركوا متاع الدينا فكشف الله عن بصائرهم مثال :
الخواجة نصير الدين الطوسي: يقول
إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأتى عليها شيء من الممكنات.بل كل وجود فهو صادر عنه فائض عن لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به يوجد، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله في الحقيقة. (٣)
وروي في علل الشرائع عن الرسول الأكرم (ص): "إنّ شعيباً بكى من حبّ الله عزّ وجلّ حتى عمي، فردّ الله عزّ وجلّ عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه:
يا شعيب! إلى متى يكون هذا أبداً منك؟.. إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك، وإن يكن شوقاً إلى الجنّة فقد أبحتك.
فقال: إلهي وسيدي!.. أنت تعلم أني ما بكيت خوفاً من نارك، ولا شوقاً إلى جنتك، ولكن عقد حبك على قلبي، فلست أصبر أو أراك.. فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أما إذا كان هذا هكذا، فمن أجل ذلك سأخدمك كليمي موسى بن عمران". (٤)
وفي الكافي أيضا: "لو علم الناس ما في فضل معرفة الله عزّ وجلّ، ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها.. وكانت دنياهم أقلّ عندهم مما يطؤنه بأرجلهم ..إن معرفة الله عزّ وجلً أنس من كلَ وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم".
ويقول في الحديث القدسي المتفق عليه عند جميع أهل الإسلام: "وما يتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء، أحبّ إليّ مما افترضت عليه.. وأنه ليتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت أذن سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها.. إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته". (٥)
نختم بكلام الإمام الخميني قدس سزه
يقول :
فإن للإمام الحجة عليه السلام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كانوا قبل هذا العالم أنوارا، فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله (الحكومة الإسلامية: 52).
سؤال : هل لهذا العشق من مراحل ؟
العشق مع الله سبحانه وتعالى يمر بعدة مراحل نجدها في المناجاة الشعبانية
١-تبدأ بالمعرفة بالله (المعرفة)،
ثم المحبة (المحبة): لأنه أفاض الوجود عليه واختاره لعبادته وجعله من فاضل طينة أهل البيت عليهم السلام. فقد ورد في المناجاة
[إلهي أنا عبد أتنصل إليك مما كنت أواجهك به من قلة استحيائي من نظرك وأطلب العفو منك إذ العفو نعت لكرمك، إلهي لم يكن لي حول فأنتقل به عن معصيتك إلا في وقت أيقظتني لمحبتك، فكما أردت أن أكون كنت، فشكرتك بإدخالي في كرمك، ولتطهير قلبي من أوساخ الغفلة عنك]
٢- فالشوق (الشوق)، يكون بلقاء المحبوب من خلال الدعاء والمناجاة وعمل الخيرات والبعد عن السيئات.
[ إلهي انظر إلي نظر من ناديته فأجابك، واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريبا لا يبعد عن المغتر به، ويا جوادا لا يبخل عمن رجا ثوابه، إلهي هب لي قلبا يدنيه منك شوقه، ولسانا يرفعه إليك صدقه ]
٣-فالأنس (الأنس) :فلا يرى الراحة إلا بذكر الله والنظر إلى عظيم فضله وكرمه حتى لو غرق في أمواج البلاء من فقر أو مرض أو مصيبة فيكون مصداقاً في المناجاة
(وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك)
٤-ثم التوحيد (التوحيد): وهو إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنه لا ضار ولا نافع ولا مانح ولا دافع ولا مؤثر إلا الله سبحانه وتعالى
فتكون مصداق للمناجاة
[ إلهي فلك أسأل وإليك أبتهل وأرغب، وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعلني ممن يديم ذكرك، ولا ينقض عهدك، ولا يغفل عن شكرك، ولا يستخف بأمرك، إلهي وأتحفني بنور عزك الأبهج، فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا، ومنك خائفا مترقبا، يا ذا الجلال والإكرام . وصل اللهم على محمد رسوله وآله الطاهرين]
٥-وصولاً إلى الفناء في الله (الفناء).
هو كمال الانقطاع إليه بكل ذرات وجوده حتى لا وجود إلا وجوده سبحانه وتعالى
فيكون مصداقاً للمناجاة
( إلهي وألهمني ولها بذكرك إلى ذكرك ... فلا تجعلني ممن صرفت عنه وجهك، وحجبه سهوه عن عفوك، إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك.
إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق بجلالك، فناجيته سرا، وعمل لك جهرا ..]
فكل مرحلة تتميز بخصائصها الخاصة من المشاعر والأعمال التي تعكس عمق العلاقة بالله سبحانه . مصدر مقاطع المناجاة الشعبانية (٦)
ثانياً : ما هي آثار هذا العشق في حياة
الإنسان وعلاقة ذلك بالحجة عليه السلام ؟
أن للعشق الإلهي آثار جمة لا تعد ولا تحصى جسدها أهل البيت عليهم السلام حينما أفنوا أنفسهم في حق المولى سبحانه وتعالى فمهما اشتد بهم البلاء كان ذلك أقرب شيء لهم من محبة الله سبحانه وتعالى
١ـ حب النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام
سيد الخلق النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم
حينما أغرى بملك الدنيا من مال وجاه ونساء وخدم ومختلف متع الدنيا وقف عزيزاً بالله واثقا من وعد الله بنفس مطمئنة فقال أمام هذا الإغراء موجهاً خطابه لعمه أبي طالب رضوان الله عليه
(يا عماه لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو أقتل دونه، ثم استعبر فبكى، ثم قام يولي،
فقال أبو طالب: امض لأمرك فوالله لا أخذلك أبدا.) (٧) .
أما أمير الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام قال للدنيا
خبر ضرار بن ضمرة الضبائي عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ولقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين
ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عني، أبي تعرضت أم إلي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظم المورد، وخشونة المضجع.(٨)
وهكذا بقية أهل البيت عليهم السلام ذابوا حباً في الله سبحانه حتى أنهم لا يرون شيئا إلا ورأوا أن الله قبله وبعده وفيه مهما اشتدت المصاعب والبلاء عليهم وخير شاهد ما قاله سيد الشهداء حين فقد كل أحبته وأعزائه حتى طفله الرضيع ودمه يشخب في يده الشريفة وهو يقول [ هون ما نزل بي أنه بعين الله ]
٢-شعورك بالمسؤولية والحنين تجاه إخوانك المستضعفين في الأرض
فعن جابر الجعفي قال: وقف بين يدي أبي جعفر (عليه السلام)
فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي،
فقال: نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجري فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه. فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها. (٩)
٣-تنامي شعورك بالحنين إلى صاحب الطلعة البهية والغرة الحميدة مولانا ومقتدانا الإمام الحجة عليه السلام
وألمك على غربته وحزنك على عدم مناجاته فتندبه صباحاً ومساء
[ ليت شعري أين استقرت بك النوى، بل أي أرض تقلك أو ثرى، أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيسا ولا نجوى، عزيز علي أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى.بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنى، من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنا... هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى هل يتصل يومنا بغده فنحظى، متى نرد مناهلك الروية فنروى ..] (١٠).
إذا علينا أن نتزود من هذه الليلة بآهات أنين وبكاء ونقول آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظم المورد، وخشونة المضجع.
وأستغفر الله وأتوب إليه والحمد لله رب العالمين.
✍️زاهر حسين العبدالله
https://t.me/zaher000
المصادر
(1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤١ - الصفحة ١٤ .
(2) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٨ - الصفحة ١٤٨ .
(3) مشارق أنوار اليقين - الحافظ رجب البرسي - الصفحة ٢٢٥ .
(4) علل الشرائع : 57، باب 51، ح 1 .
(5) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٣ - الصفحة ٢٥٤٠.
(6) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩١ - الصفحة ٩٩.
(7) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٥ - الصفحة ٨٧ .
(8) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٠ - الصفحة ٣٤٥.
(9) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٨ - الصفحة ١٤٧.
(10) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٩ - الصفحة ١٠٨.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat