الأحزاب المكذبون (وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب) (ح 3)
د . فاضل حسن شريف
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
د . فاضل حسن شريف

عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله "وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَـٰئِكَ الْأَحْزَابُ" ﴿ص 13﴾ كذبت هذه الأمم الرسل، فأهلك اللَّه بعضهم بالطوفان كقوم نوح، والبعض الآخر بالغرق في البحر كفرعون. وذو الأوتاد كناية عن استقامة ملكه كما تستقيم الخيمة إذا شدت أطنابها بالأوتاد الثابتة في الأرض: "فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ"(الحاقة 6). أما قوم لوط فجعل أعلى ديارهم أسفلها. انظر تفسير الآية 82 من سورة هود ج 4 ص 255. وأخذ اللَّه أصحاب الأيكة - قوم شعيب - بعذاب أليم. انظر تفسير الآية 78 من سورة الحجر ج 4 ص 487 والآية 176 من الشعراء ج 5 ص 515. "أُولئِكَ الأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ". أخذ سبحانه أحزاب الشيطان بذنوبهم وقطع دابرهم جزاء بما يكسبون من الشرك وتكذيب أنبياء اللَّه ورسله، ألا يخشى الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه واله وسلم أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك الأحزاب؟
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله "وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَـٰئِكَ الْأَحْزَابُ" ﴿ص 13﴾ نعم، هذه هي ستّة مجاميع من أحزاب الجهل وعبادة الأصنام، التي عملت ضدّ أنبياء الله، ورفضت قبول ما جاؤوا به من عند الله. فقوم نوح واجهوا هذا النّبي العظيم. وقوم عاد واجهوا نبيّ الله (هود). وفرعون وقف ضدّ (موسى وهارون). وقوم ثمود وقفوا بوجه (صالح). وقوم لوط وقفوا بوجه نبي الله (لوط). وأصحاب الأيكة واجهوا نبي الله (شعيب). إذ كذّبوا وآذوا أنبياء الله والمؤمنين وبذلوا في ذلك قصارى جهودهم، ولكن في نهاية الأمر نزل عليهم العذاب الإلهي وجعلهم كعصف مأكول. فقوم نوح اُبيدوا بالطوفان وسيول الأمطار. وقوم عاد اُبيدوا بالأعاصير الشديدة. وفرعون وأتباعه اُغرقوا في نهر النيل. وقوم ثمود اُهلكوا بالصيحة السماوية. وقوم لوط بالزلزلة الرهيبة المقترنة بأمطار الحجارة السماوية. وقوم شعيب اُبيدوا بالصاعقة المهلكة التي نزلت عليهم من السحب الكثيفة التي غطّت سماء المنطقة، وبهذا الشكل فإنّ (الماء) و(الهواء) و(التراب) و(النار) التي تشكّل اُسس حياة الإنسان، كانت السبب في موت وإبادة تلك الأقوام الطائشة والعاصية، وجعلهم في طي النسيان، حيث لم يبق لهم أيّ أثر. فعلى مشركي مكّة أن يدركوا بأنّهم لا يعدّون سوى مجموعة صغيرة بالنسبة إلى تلك الأقوام، فلِمَ لا يصحون من غفلتهم. نعم، فكلّ قوم من هذه الأقوام كذّب بما جاء به رسل الله، وأنزل العذاب الإلهي بحقّه "إنّ كلّ إلاّ كذّب الرسل فحقّ عقاب". وقوله جل جلاله "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" ﴿فصلت 15﴾ أحذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. بعد البحث المهم الذي تضمّنته الآيات السابقة حول التوحيد ومعرفة الخالق جلّ وعلاه تنذر الآيات ـ التي بين أيدينا ـ المعارضين والمعاندين الذين تجاهلوا كلّ هذه الدلائل الواضحة والآيات البينات، وتحذرهم أن نتيجة الإعراض نزول العذاب بهم، يقول تعالى: "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود". عليكم أن تخافوا هذه الصاعقة المميتة المحرقة التي إذا نزلت بساحتكم تفنيكم وتحل بداركم الدمار. (الصاعقة) كما يقول الراغب في المفردات، تعني الصوت المهيب في السماء، ويشتمل على النّار أو الموت أو العذاب. (ولهذا السبب تطلق الصاعقة على الموت أحياناً، وعلى النّار في أحيان اُخرى). والصاعقة ـ وفقاً للتحقيقات العلمية الراهنة ـ هي شرارة كهربائية عظيمة تحدث بين مجموعة من الغيوم التي تحمل الشحنات الكهربائية الموجبة، وبين الأرض التي تكون شحنتها (سالبة) وتصيب عادة قمم الجبال والأشجار وأي شيء مرتفع، وفي الصحاري المسطحة تصيب الإنسان والأنعام، كما أن حرارتها شديدة للغاية بحيث أنّها تحيل أي شيء تصيبه إلى رماد، وتحدث صوتاً مهيباً وهزّة أرضية قوية في المكان الذي تضربه. الله تبارك وتعالى كما تنص على ذلك آيات القرآن عاقب بعض الأقوام الأشقياء من الأمم السابقة بالصاعقة. والطريف هنا أنّ عالم اليوم برغم التقدم الهائل في العلوم، بقي عاجزاً عن اكتشاف وسيلة لمنع الصاعقة. وسيبقى هذا السؤال: لماذا ذكر هنا قوم عاد وثمود من بين جميع الأقوام السابقة؟ السبب يعود إلى أنّ العرب كانوا على اطّلاع بخبر أُولئك الأقوام، وكانوا قد شاهدوا بأعينهم آثار مدنهم المدّمرة، إضافة إلى أنّهم كانوا يعرفون أخطار الصواعق، لأنّهم يعيشون في الصحراء والبادية.
جاء في موقع اسلام ويب يعتقد أن البحر الميت هو من بقايا مدينة قوم لوط عليه السلام: وهذه المنطقة، كما هو معروف أكثر منطقة على وجه الأرض انخفاضاً، بل ذكر بعض الباحثين أن الانخفاض فيها يزداد على مر السنين، مما دعا بعض الخبراء إلى الدعوة لإنفاذ البحر الميت عن طريق ضخ مياه البحر الأحمر إليه عبر قناة تسمى بقناة البحرين. يقول الباحث إلياس سلامة وهو: أستاذ للجيولوجيا بالجامعة الأردنية: إنه في بداية الستينات كان منسوب المياه في البحر الميت 392 متراً تحت سطح البحر، واليوم يبلغ منسوبة 412 متراً تحت سطح البحر. وبيئة البحر الميت بيئة فريدة تجعل من الصعب أن تعيش فيه كائنات حية إذ ترتفع فيه درجة الملوحة بشدة، حتى إن اللتر الواحد يحتوي على 300 جرام من الملح مقابل 35 في المتوسط من البحار الأخرى. فإن ثبت قطعاً أن البحر الميت هو مكان خسف قرى قوم لوط، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول على المعذبين ومساكنهم، فضلاً عن الجلوس والصلاة في تلك الأماكن، إلا أن يكون الرجل باكياً، فإن لم يكن باكياً، فلا يدخل عليهم، ولا يمر بديارهم. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم" وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك في ديار ثمود قوم صالح، ويلحق بهم كل قوم أهلكوا بعذاب من عند الله، ومنهم قوم لوط، هذا إذا ثبت أن البحر الميت هو مكان عذاب قوم لوط، ولكننا إلى الآن لم نجد ما يشهد لثبوت ذلك، بل الغالب على الظن أن كل ما ورد مما يتصل بهذا الموضوع قد أخذ عن أهل الكتاب، وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم فيما ليس في شريعتنا ما يشهد بصدقه أو كذبه. وما دام الأمر كذلك، فإن مثل ذلك لا يثبت به حكم شرعي، بحيث يأخذ البحر الميت حكم ديار ثمود، إلا أن الأورع للمرء أن يبتعد عن الانتفاع بمنتوجات هذا البحر، وعن زيارته، وذلك اتقاءً لمواطن الشبهات. والله أعلم.
عاقبة المجرمين في الآية التالية عن قوم لوط تحتاج الى نظر وتفكر أين الكبرياء والقصور والطعام الفاخر والأعوان. جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جلت قدرته "وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ" ﴿الأعراف 84﴾ "وأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً". بيّن سبحانه العذاب الذي أنزله بهم بأنه نوع من المطر، ولكنه بالحجارة، لا بالماء كما جاء في الآية 81 من سورة هود: "وأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" ويأتي التفصيل في محله ان شاء اللَّه "فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"؟ انها العذاب الأليم، والعاقل من اتعظ بغيره. وتسأل: ان كلا من نوح وهود وصالح دعا قومه إلى عبادة اللَّه وحده فيما تقدم من الآيات، أما لوط فقد دعا قومه في هذه الآيات إلى الامتناع عن الفاحشة، فهل معنى هذا ان قوم لوط كانوا موحدين، ولكنهم فسقوا بهذا الفعل الشنيع؟. الجواب: ان قوم لوط كانوا كفارا، وقد دعاهم إلى التوحيد، ونهاهم عن الكفر والشرك كما نهاهم عن اللواط بدليل قوله تعالى: "كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ"، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، "إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهً وأَطِيعُونِ" (الشعراء 163). وانما اهتم بهذه الرذيلة لأنها كانت فاشية فيهم، وأدت بهم إلى غيرها من القبائح والرذائل، وحملتهم على التمرد والعناد للحق، وجرأتهم على تكذيب أنبياء اللَّه ورسله. وقد أجمعت المذاهب الإسلامية قولا واحدا على تحريم اللواط، وانه من الكبائر، واختلفوا في عقوبته، قال الحنفية: أنها التعزير بما يراه الحاكم، وقالت بقية المذاهب: انها القتل لحديث: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat