صفحة الكاتب : سوسن عبدالله

(قصة قصيرة) // (البخيلة)      
سوسن عبدالله

 كنت متولعة بكل شيء يحيلني إلى المستقبل، رغم أني لم أكن أفهم معنى المستقبل إلا من خلال ما أذخره في محصلتي. 
حرمت في طفولتي من أشياء كثيرة، من أجل أن يكبر المستقبل في المحصلة، وكان أبي يشجعني لصناعة المستقبل، منذ سنوات وأنا لم أفتح محصلتي، لأنني حريصة على عدم التفريط به، وبما أن أبي كان وما زال يسد احتياجاتي كلها فلا داعي أن أعبث في مستقبلي، قد أحتاجه في غد قريب، ولهذا اجتزت جميع المراحل الدراسية والمستقبل ما زال مضموما في محصلتي. 
اقترح علي أخي أحمد اختراعا لطيفا أن أفتح تلك المحصلة وأودعها في مصرف حكومي أو بريد لتكون أكثر أمانا وأكثر ضمانا وتدر علي أرباحا. 
رفضت لأني أريد مستقبلي أمامي ينمو يكبر، وليس مستقبلا مرتهنا في مصرف أو بريد، كنت أعتقد أن الأمر سري، ولا يعرف به أحد خارج بيتي، وإذا بجميع أقاربي يسألوني عن (الدخل)، كان الأمر يسعدني أحيانا أن يكون لي مستقبلا يكبر أمام أهلي وأقاربي. 
 يزعجني في أحيان كثيرة أن أرى مستقبلي ينتهك بهذه السهولة، والبنات في الجامعة يعيبن بساطة هندامي، لست من بيت فقير لكن كل إنسان له قناعاته وطبائعه، وأنا لا أحب أن أكل خارج بيتي، أحب أكل البيت ولا أرى أن هناك شيء يستوجب بعثرة مصروفي. 
أنا واثقة من نفسي، أنني لست بخيلة، والله لو تعرضت أي منهن لحادث لا سمح الله لكنت مستعدة أن أفتح قاصتي عند قدميها، هل سأكون كريمة حين أرتدي الملابس الفاضحة وصارخة الألوان، وأتبع الموضة، وألبس الحلى والذهب أمام حسرة الفقيرات، لكن الغريب أن يتحول البخل إلى كرامة 
ـ طوبى لمن تكون له النصيب 
 
وجاء النصيب... طبيب اسمه محمد عبد الله المعمار من كربلاء، لم يكن من أقاربنا لكنه من المعارف وعلى كل حال هو ليس غريبا عني، فقد عرفته منذ كنت طفلة صغيرة، إلى أن أصبح طبيبا، رجل تعرفه الولاية، بما يمتاز من طيبة ومعروف، وحرص على معالجة الناس المحتاجين، واستطاع أن يبني سمعة طيبة، مثل هذا المعدن الإنساني يعد من الأمور الثمينة الجوهر وليس بسهولة أن يفقدها الإنسان، تزداد المودة مع كل زيارة، وفي كل زياره اكتشف أشياء جديدة، تفاجأت بأنه اغلق عيادته والتحق بالحشد الشعبي، الوضع تأزم قليلا هذا يعني هناك هجر هناك قلق وليل الجبهات لا يمكن الاطمئنان إليه، فهو لا يرحم 
قلت أحاوره في هذا الأمر 
ـ محمد ألا ترى أن وجودك بين الناس ضروري وخاصة أن معظم الأطباء تناسوا دورهم الإنساني وأصبحوا تجارا... فمن للفقير غيرك؟ 
 رد بكل ثقة وراح يسألني:  
ـ من للمقاتل الذي يحمل جرحه بعيدا عن أهله ومدينته وناسه وكل ما حوله حرب وقتال. 
هل تعتقدين أن مثل هؤلاء الأطباء يقبلون بالتطوع في الجبهات، الصحارى والغربة وألم الفراق وشحة الماء والزاد والبعد عن البيت، القضية تحتاج إلى يقين إلى روح مؤمنة، وقد نكون ظلمنا بعض الأطباء بتشخيصنا، أي بعض الأطباء لهم ظروف خاصة... تمنعهم من التطوع. 
 لم يترك لي حجة أو شيئا للنقاش 
أشعرني زوجي بمسألتين مهمتين (الأولى) لاحظني أتابع بعض مقاطع الفيديو التي تنتشر والتي تحمل أبعادا طائفية في أغلبها، فقال عليك أن تعتزي بانتمائك الديني والوطني، لذلك لا متابعة لتلك النقاشات والمحاورات والتحديات والتجاذبات التي تبث في مقاطع الفيديو، لك دين فحافظي عليه، لك وطن لا بديل له، وله ربا يحميه. 
 لا تقلقي على أي أمر هو خارج إرادتك وإمكانياتك، اتركيه لرب العالمين، فهو أعلم وأقدر 
 وأما الثاني أن لا أفتح المحصلة أبدا إلى يوم هي تفتح نفسها بنفسها، وألا أكرر اسم البخل على لساني، بل هو اعتداد للنفس وراح يتبرع لي ما يفيض من الراتب، صرت أتابع أخبار الحشد موقفا موقفا، فهو يعيش بالقلب والروح وكانت الأمور في بدايتها التطوع إلى الحشد، هو وتطوع صرف لا راتب ولا ضمان 
القضية هناك فتوى مرجعية مباركة واستجابة مصيرية، الحشد الشعبي يعتمد على إمكانيات ذاتية في الخبرات والمعدات 
ذات صباح رأيت البيت ليس على عادته، أبي استدعى إخوتي وأمي وأخواتي، شعرت بأن الأمر لم يكن عاديا وأن القضية تخصني، قرصة بالقلب سألتهم وأنا منفعلة: 
ـ هل استشهد زوجي 
كان البكاء عنوان الجواب القاسي على القلب، لكن أبي هدأني لا يا ابنتي بل أصيب وبترت قدمه اليمنى، وهو الآن في مستشفى الكفيل وحاولنا أن نخفي الأمر عنك. 
انتفضت عروقي، قلت الحمد لله على السلامة، خذوني إليه والله أنا أتشرف أن أكون له القدم والعكاز التي يستند عليها، وقبل أن أذهب إلى المستشفى وسط دهشة الأهل قلت: 
ـ علمني زوجي أن لا أفتح المحصلة وأتركها هي تفتح نفسها، وأعتقد أنه أوانها ولله الحمد، فانا لا أحتاج إلى ذخيرة سواه ومن حقي أن أبخل به.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


سوسن عبدالله
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/04/01



كتابة تعليق لموضوع : (قصة قصيرة) // (البخيلة)      
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net