صفحة الكاتب : محمد الرصافي المقداد

الصفعة التي ستسقط هيبة ترامب وأمريكا
محمد الرصافي المقداد

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

 

 مجيء دونالد ترامب مرّة أخرى رئيسا لأمريكا، يؤكّد من جديد أن هناك خلل ما في عقول الأمريكيين، دفعهم إلى اختياره رئيسا لهم، مع معرفتهم به مغامرا متحدّيا ومتطرّفا في سلوكه وأفعاله، من أثرياء الطبقة المؤثرة في السياسة داخل أمريكا، حامل فكر توراتي متطرّف جعله أقرب إلى إسرائيل من أمريكا، يرى مصلحتها من مصلحة بلاده، ذلك فهو يبدو أكثر تشددا من أجل بقائها، وهيمنتها وتمددها على الأرض، لتحقيق مشروعها الكبير على الأراضي المحيطة بفلسطين.

قام ترامب في فترة رئاسته الأولى بنقض الإتفاق مع إيران، بشأن برنامجها النووي السلمي، بعدما تم التوصل إليه من طرف مجموعة 5+1 في سنة 2015، معتبرا ذلك الإتفاق ناقصٌ يحتاج الى تعديل، ويجب إعادته للمفاوضات من جديد، بإضافة عناصر أخرى، يراها في خطّته ضرورية، كالمشروع الصاروخي الإيراني الذي شغله ويريد تقليصه، ومارس من أجل إرغام إيران على النزول عند رغبته ضغوطا كبرى، فارضا عليها عقوبات عديدة، بلغت ذروتها هذه السنة، لكن شيئا مما كان يأمله ترامب لم يحصل، ذلك أنّ إيران بحكم مبادئها الإسلامية الثورية، أدركت جيّدا أهدافه التي أراد تحقيقها، فلم تستجب إلى شيء من مقترحاته ولا دعواته ولا حتى رسائله، ولم يفز وسطائه المتعددون بغير الرفض التام، من نظام مدرك حقيقة الشيطان الأكبر.

مع أن ترامب ليس غبيا، حتى لا يدرك أن محور المقاومة تقف وراءه إيران، التزاما بمبادئها القرآنية في الكرامة والعزّة ونصرة المستضعفين، ومحاولاته ثني إيران بقيت مستمرة بين التهديد وتشديد العقوبات لم تتوقف الى اليوم، وهو لا يزال يأمل في تحقيق اتفاق ما، قد يأتي نتيجة إصراره،

فقد ظهر تصلّب إيران في مواقفها معتبرة أن برنامجها مدني سلمي لا عسكرة فيه، وهي لم تفكر أصلا في تحويله عسكريا، بناء على حرمة امتلاك السلاج النووي من وجهتها الدينية.

الرئيس الأمريكي أفصح أخيرا، بعد أن ضرب اليمنيون لحاملة طائراته (يو اس أس هاري ترومان) كردّ فعل انتقامي، على غارات طيرانه على مناطق يمنية، وما خلفته من شهداء وخسائر مادية، أنّ أي صاروخ سيخرج مستقبلا من اليمن سيعتبره إيراني، وعلى إيران أن تتخلى عن دعم اليمنيين في حربهم ضد إسرائيل، وترامب مدرك تماما أن مشروع تحرير فلسطين أنشأه الامام الخميني مؤسس النظام الإسلامي في إيران، وهي لن تتخلى عنه أبدا.

ترامب أعيته إصدارات العقوبات أكثر مما أعيت إيران، ومنتهى أمله في أن تستجيب له، وتسقط من حساباتها مشروعا أرّق ربيبته إسرائيل، وفي جرابه اغراءها بالتحكم في المنطقة باسرها لو تتخلى عن قضيتها المركزية، لكن هيهات أن تنثني إيران عن مبدئها، بعدما ركّزته عقيدة لدى قيادتها وقاعدتها الشعبية العريضة.

بمنطق حاكم العالم المطلق، بعث ترامب بعدد من الرسائل إلى القيادة الإيرانية عبر وكلائه العمانيين ثم الاماراتيين والقطريين، ولم تكن سويسرا سوى طرف من وسطاء، تقاطروا على طهران يحملون التماسات، وأعتقد أن اليابان كانت ضمن أولئك الذين حملوا رسائل ترامب، لكنّها جميعا تلق أيّ ترحيب، ولا حتى أبسط ردّ يمكن أن يأمله الرئيس الأمريكي - وهذا بحدّ ذاته موقف عزّ يجب أن يقف عنده المؤمن بفخر وامتنان - مما زاد في هيجانه، وإصراره على مواصلة لغة أسلوب التهديد والوعيد.

وفيما تواصل إسرائيل عدوانها على غزة ولبنان، زيادة على غاراتها الجوية المتكررة على سوريا، خرقا للقوانين الدولية، ولاتفاقي وقف إطلاق النار، يستمر الرئيس الأمريكي في غض الطرف عن كل تلك الخروقات، وما خلفته من شهداء، ناصبا فكره وجهده في تحميل إيران مسؤولية تمويل حركات المقاومة، التي تقف في وجه المشاريع التوسعية لإسرائيل في المنطقة، مصمّما هذه المرّة على انهاء أيّ مظهر مسلح يمكن أن يتهدد إسرائيل.

 

ما يريده ترمب الإنجيلي - ولا غرابة في تبنيه من قبل الانجيليين الأمريكيين في احدى كنائس ميامي مع أنه لا يتمتع بأيّ قيمة اخلاقية -  هو اخضاع دول وشعوب المنطقة لإسرائيل ذات الفكر الصهيوني التوراتي المتطرف، الذي مبشّر بعصر هيمنة الصهيونية العالمية على المنطقة، فكيف اجتمع الضدّان الانجيلية والتوراتية في مشروع هيمنة واحد؟ هدفه الهيمنة على شعوب المنطقة وارغامهم على الخضوع لسياساتهم الاستعمارية، وإيران مدركة تماما ما يُراد بفلسطين والمنطقة، كما ولها أيضا مشروعا أكبر إنسانية وواقعية، يحمل بين طياته أمل المستضعفين في العالم بتحررهم، وفوزهم بعيش آمن ورغيد تحت حكم إسلامي، يجمع فيها قائده مهدي أهل البيت شتات المؤمنين تحت قيادته، ليكون منقذ الانسانية من تيه انحرافها عن دينها العالمي.

من هنا بالإمكان القول أن الصراع بدأ يتكشّف اليوم على نظريتين، الأولى باطلة، ويحاول ترامب وكيل الغرب والصهيونية تثبيتها، بالقوة المفرطة والإعلام المضلل، ولو استوجب الأمر إلى إشعال حرب عالمية، والثانية حقّانية وتسهر عليها إيران، من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية كمرحلة أولى، تسبق التمهيد لصاحبها الإمام المهدي، عجل الله ظهوره وأيّده بنصره المؤزر، لذلك فإنّ الأوضاع لن تقف عند التهديد واشعال حرب محدودة، الأطراف الضاغطة على الزاد متعددة، وتعتبر نفسها مستهدفة كالصين وكوريا الشمالية وروسيا، أمام تمادي استهتار رئيس أمريكي أحمق متكبر، والدور قادم عليها مع تعاظم التهديدات، حرب قد لا تلتزم بالتقليدي منها، وقد تنزلق إلى ما قد يكون أسوأ على البشرية، لكنّها ستعيد حقّا بقي ممنوعا على إيران أكثر من 46 سنة، حرب من سيشعلها سيكتوي بنارها، ولن يطفئ حرارتها على بلاده مياه نهر ميسوري ومسيسيبي معا.

أحداث العالم تتسارع خطواتها، لتستوي على صفيح ساخن جدّا، وحرب بدأت تلوح بتحشيد البوارج والسفن والمدمرات وحاملات الطائرات والغواصات المدججة بالأسلحة، حرب في ظاهرها سياسية وهيمنة، وفي باطنها عقائدية بقوى الشرك الغربي، ممثلة في الإنجيلية الجديدة، المتحالفة مع التوراتية الصهيونية، في حملتها الأخيرة، من أجل القضاء على مشروع إيران الإسلامي، الممهّد لظهور منقد البشرية المخلّص للمظلومين في العالم، من ظلم الاستكبار الغربي بجميع مكوناته الدينية والعرفية والسياسية، مهما خطط ترامب وحلفه لهذه الحرب فإن نتيجتها ونهايتها ستكون كفّتها راجحة لأهل الحق، ولن تعدو إيران ومحورها بأيّ حال من الأحوال صحيح ان ضريبتها ليست بالهينة، وسنرى الطافا الهية خلالها ذلك أن الله لطيف بعباده، وهو معهم والعاقبة للمتقين.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


محمد الرصافي المقداد
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/03/24



كتابة تعليق لموضوع : الصفعة التي ستسقط هيبة ترامب وأمريكا
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net