كلمة امة في القرآن الكريم (ولكل أمة جعلنا منسكا) (ح 76)
د . فاضل حسن شريف
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
د . فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ﴿الحج 34﴾ أمة اسم، ولكل جماعة مؤمنة سلفت، جعلنا لها مناسك مِنَ الذبح وإراقة الدماء، وذلك ليذكروا اسم الله تعالى عند ذبح ما رزقهم مِن هذه الأنعام ويشكروا له. فإلهكم أيها الناس إله واحد هو الله فانقادوا لأمره وأمر رسوله. وبشِّر أيها النبي المتواضعين الخاضعين لربهم بخيرَي الدنيا والآخرة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ " فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا " وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" (الحج 34) "ولكل أمة" أي جماعة مؤمنة سلفت قبلكم "جعلنا منسكا" بفتح السين مصدر وبكسرها اسم مكان: أي ذبحا قربانا أو مكانه، "ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" عند ذبحها، "فإلهكم إله واحد فله أسلموا" انقادوا، "وبشر المخبتين" المطيعين المتواضعين.
وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ﴿الحج 34﴾ "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا" أي: لكل جماعة مؤمنة من الذين سلفوا، جعلنا عبادة في الذبح، عن مجاهد. وقيل: قربانا أحل لهم ذبحه. وقيل: متعبدا وموضع نسك يقصده الناس. وقيل: منهاجا وشريعة، عن الحسن "لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ" أي: تعبدناهم بذلك ليذكروا اسم الله على ما رزقناهم من بهيمة الأنعام، وبهيمة غير الأنعام لا يحل ذبحها، ولا التقرب بها. وفي هذا دلالة على أن الذبائح غير مختصة بهذه الأمة، وأن التسمية على الذبح كانت مشروعة قبلنا "فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ" أي: معبودكم الذي توجهون إليه العبادة واحد، لا شريك له. والمعنى: فلا تذكروا على ذبائحكم إلا الله وحده "فله أسلموا" أي. انقادوا وأطيعوا. "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" أي: المتواضعين المطمئنين إلى الله، عن مجاهد. وقيل: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لا ينتصرون، كأنهم اطمأنوا إلى يوم الجزاء.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ﴿الحج 34﴾ المنسك مصدر ميمي واسم زمان ومكان، وظاهر قوله: "ليذكروا اسم الله" إلخ أنه مصدر ميمي بمعنى العبادة وهي العبادة التي فيها ذبح وتقريب قربان. والمعنى: ولكل أمة من الأمم السالفة المؤمنة جعلنا عبادة من تقريب القرابين ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام التي رزقهم الله أي لستم معشر أتباع إبراهيم أول أمة شرعت لهم التضحية وتقريب القربان فقد شرعنا لمن قبلكم ذلك. وقوله: "فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا" أي إذ كان الله سبحانه هو الذي شرع لكم وللأمم قبلكم هذا الحكم فإلهكم وإله من قبلكم إله واحد فأسلموا واستسلموا له بإخلاص عملكم له ولا تتقربوا في قرابينكم إلى غيره فالفاء في "فإلهكم" لتفريع السبب على المسبب وفي قوله: "فله أسلموا" لتفريع المسبب على السبب. وقوله: "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" فيه تلويح إلى أن من أسلم لله في حجه مخلصا فهو من المخبتين.
عن شبكة تبيان (مفهوم الأمة فی القرآن) للكاتب ناصيف نصّار: وفي حقيقة الأمر، هنالك علاقة جدلية عميقة وغامضة بين المعنى الديني والمعنى الإجتماعي التاريخي للأمة في التكوين النفسي الثقافي الذي تحمله المجتمعات العربية من تاريخها الطويل، القديم والحديث. فالمعنيان يتداخلان ويتساندان، بحيث أن ما يفتقر إليهالمعنى الديني من تجاوب وتطابق في الواقع القائم يوفره بشكل ما المعنى الاجتماعي التاريخي، وإن ما يفتقر إليه هذا الأخير من عمق تراثي ودفع صوفي يقدمه المعنى الديني،بشكل صريح أو ضمني. من هنا، الغنى الهائل المخزون في لفظة الأمة، وأهمية تحليل المعاني المختلفة المنعقدة فيها، وبخاصة في النص القرآني نفسه. ولكن دراسة مفهوم الأمة في القرآن تواجه صعوبات مختلفة عن تلك التي تواجهها دراسة المفهوم نفسه في مؤلفات فلاسفة ومؤرخي القرون الوسطى العربية الإسلامية. وأولى تلك الصعوبات خلو النص القرآنيمن أي تعريف لمعنى لفظة الأمة. وفي الواقع، أدرك مفسرو القرآن هذه الصعوبة وعالجوها بطريقة التأويل. لكن هذه الطريقة غير صارمة، فلا تزيل جميع الإبهامات والإلتباسات التي تلازم استعمال لفظة الأمة في كثير من آيات القرآن. وهذا يعني أن باب التأويل والإجتهاد غير مقفل أمام العلماء وأن الوعي الإجتماعي النظري يفيد كثيراً من استذكارتحليلي للمرحلة القرآنية في تاريخ فكرة الأمة. وردت لفظة الأمة في آيات القرآن، بصيغة المفرد، أكثر من خمسين مرة. ومن الآيات المشهورة التي يرددها المسلمون ويستشهدون بها في مناسبات كثيرة من حياتهم الدينية والمدنية هذه الآيات: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" "هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون " "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم". ولم يرد في النص الظاهر ما يمكن اعتباره بمثابة وصف حصري أو تعريف لمعنى اللفظة. إلاأنه من الثابت أن اللفظة لا تحمل معنى واحداً حيثما وردت في القرآن. وليس في ذلك أي سبب للغرابة. فالإشتراك في اللفظ ظاهرة تعرفها كل اللغات، وإن كانت في اللغة بين معنيينحقيقيين تامين أو أكثر والإشتراك بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، الإشتراك في اللفظ بين المعنى الحقيقي والمعنى الشرعي. فما هي المعاني التي تحملها لفظة الأمة فيالقرآن؟
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ﴿الحج 34﴾ "ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً". المراد بالمنسك هنا النسك بذبح الأنعام بدليل قوله تعالى بلا فاصل: "لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ". والمعنى لا بدع في الأضحية فلقد كانت مشروعة في الأديان السابقة "فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِد" فلا تذكروا اسم غيره على ذبائحكم "فَلَهُ أَسْلِمُوا" انقادوا لأمره وأخلصوا له في القول والفعل.
وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ﴿الحج 34﴾ يقول الراغب الاصفهاني في مفرداته: (النُسك) يعني العبادة، والناسك هو العابد، ومناسك الحجّ تعني المواقف التي تؤدّى فيها هذه العبادة، أو إنّها عبارة عن الأعمال نفسها. إلاّ أنّ العلاّمة الطبرسي يقول في (مجمع البيان) وأبو الفتوح الرازي في (روح الجنان): (المنسك) (على وزن منصب) يمكن أن يعني ـ على وجه التخصيص الاُضحية، بين عبادات الحجّ الاُخرى. ولهذا خصّ المنسك رغم مفهومه العام وشموله أنواع العبادات في مراسم الحجّ ـ هنا بتقديم الاُضحية بدلالة "ليذكروا اسم الله". وعلى كلّ حال فإنّ مسألة الاُضحية كانت دوماً مثار سؤال، لإمتزاج التعبّد بها بخرافات المشركين الذين يتقرّبون بها إلى أوثانهم على نهج خاصّ بهم. ذبح حيوان باسم الله ولكسب رضاه يبيّن إستعداد الإنسان للتضحية بنفسه في سبيل الله، والإستفادة من لحم الاُضحية وتوزيعه على الفقراء أمر منطقي. ولذا يذكر القرآن في نهاية هذه الآية "فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ" وبما أنّه إله واحد "فله أسلموا" وبشّر الذين يتواضعون لأحكامه الربّانية و "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ". ثمّ يوضّح القرآن المجيد في الآية التالية صفات المخبتين (المتواضعين) وهي أربع: إثنتان منها ذات طابع معنوي، وإثنتان ذات طابع جسماني.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat