الدولة العربية الشيعية : حلم بعيد المنال
رياض سعد
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
رياض سعد

العراق، بوصفه قلبًا تاريخيًا وحضاريًا للعالم العربي ومركزا عقائديا للمسلمين الشيعة ، يمتد تأثيره الثقافي والسياسي إلى مناطق مجاورة مثل الأحواز والأحساء والكويت والبحرين ؛ لأنها كانت جزءا منه ؛ او لا أقل تشترك مع العراق في جذور حضارية وثقافية وقومية عميقة، حيث كانت البحرين (دلمون) مقبرة للسومريين ، مما يعكس الترابط الحضاري والثقافي والديني الذي يمتد لآلاف السنين... ؛ هذا الترابط ليس فقط تاريخيًا، بل أيضًا ثقافيًا وطائفيًا، حيث تكاد الثقافة العربية الإسلامية الشيعية في هذه المناطق تكون متجانسة إلى حد كبير.
ومع ذلك، فإن الشيعة العرب في هذه المناطق، خاصة في العراق التاريخي وعلى الرغم من كونهم أغلبية سكانية ، واجهوا تحديات كبيرة نتيجة التمييز الطائفي العربي والقومي الايراني ... ؛ فمن جهة، تعرضوا لاضطهاد من قبل المحيط العربي السني المتعصب ، الذي مارس ضدهم سياسات تمييزية طائفية غاشمة ، بل وارتكب جرائم بحقهم دون أي اعتبار لإنسانيتهم أو حقوقهم أو اسلامهم ؛ ومن جهة أخرى، واجه الشيعة العرب تمييزًا قوميًا وعنصريًا مقيتا من قبل الأقوام الإيرانية، التي تعاملت معهم كمواطنين من الدرجة الثانية، بل وشككت في أصولهم العربية ونسبتهم إلى قبائل غجرية أو بدو رحل، مما أدى إلى تشويه هويتهم وتاريخهم.
هذا الوضع المأساوي جعل الشيعة العرب يعيشون في حالة من التيه والضياع والتشرذم ، حيث أصبحوا محاصرين بين مطرقة الهيمنة الإيرانية القومية وسندان التمييز العربي السني الطائفي التكفيري ... ؛ فالعرب السنة، عندما يتحدثون عن القومية العربية، غالبًا ما يستخدمونها كأداة لتضليل الشيعة العرب وتسخيرهم ، بينما في الواقع هم يفضلون غير العرب من السنة، مثل العثمانيين والألبان والتركمان والأكراد والشيشان والداغستان ، على الشيعة العرب الاقحاح ... ؛ بل وصل الأمر إلى حد التشكيك في أنساب الشيعة العرب وإطلاق تسميات مهينة عليهم ، واطلاق تسمية "السنة العرب" على سنة العراق، الذين غالبًا ما تكون أصولهم غير عربية، بغضا منهم بالشيعة , وفي محاولة لطمس الهوية الشيعية العربية لحساب الفئة الهجينة السنية .
أما الإيرانيون، فقد استولوا على أراضٍ ومياه عراقية تاريخية ذات أغلبية شيعية عربية، وعاملوا السكان العرب معاملة عنصرية واضحة... ؛ و غيروا أسماء المناطق العربية إلى الفارسية ، وحاولوا طمس المعالم التاريخية العربية الشيعية، بل وتواطؤوا على إسقاط الدول العربية الشيعية التاريخية، مثل الدولة المشعشعية وإمارة كعب... ؛ و هذا التمييز العنصري والقومي أدى إلى تهميش الشيعة العرب وجعلهم يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة مقارنة بمناطق العجم في إيران.
هذا الواقع المؤلم جعل الشيعة العرب يعيشون في حالة من الضياع والتمزق بين هويتهم القومية العربية ومعتقدهم الديني الشيعي... ؛ فهم بين نارين: نار الهيمنة الإيرانية التي تستغلهم لتحقيق مصالحها القومية ، ونار التمييز العربي السني والحقد الطائفي الذي حرمهم من حقوقهم الأساسية... ؛ وكلما حاول الشيعة العرب اللجوء إلى أحد الجانبين، ازدادت معاناتهم سوءًا، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار... ؛ وذلك لان الشيعة العرب يعيشون هوية مزدوجة، حيث هم عرب من حيث الانتماء القومي، وشيعة من حيث الانتماء المذهبي... ؛ و هذه الهوية المزدوجة تجعلهم عرضة للتمييز من كلا الجانبين : السنة يتهمونهم بالولاء لإيران بسبب الطائفة ، والإيرانيون يتهمونهم بالعروبة بسبب القومية .
الحل الوحيد لهذه المعضلة فيما اذا توفرت الظروف الموضوعية وتغيرت الاحوال والمعادلات الدولية ، في رأي البعض ، هو إنشاء دولة شيعية عربية تضم المناطق ذات الأغلبية الشيعية العربية، مثل الأحواز والعراق والكويت والبحرين والأحساء والمنطقة الشرقية من السعودية وقطر وغيرها , بحيث يهاجر الى تلك الدولة المرتقبة كل الشيعة العرب من دول المنطقة كافة بشرط اعطاء الشيعة العرب المزيد من الاراضي لتعويضهم عن مناطقهم التي هجروها , و هذه الدولة ستكون بمثابة حاجز فاصل بين الدول العربية السنية وتركيا من جهة، وإيران الشيعية الفارسية من جهة أخرى... ؛ و ستكون هذه الدولة قادرة على تحقيق التوازن في المنطقة، حيث ستكون هويتها واضحة : شيعة عرب، لا يشبهون الإيرانيين الشيعة ولا يقتربون من العرب السنة... ؛ و بهذه الطريقة، يمكن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وحفظ حقوق الشيعة العرب، وتجنب الصراعات الطائفية والقومية التي دمرت المنطقة لعقود طويلة ... ؛ والتي استغلت من قبل قوى الاستعمار والاحتلال الاجنبي لتحقيق مصالحها الاستعمارية والاستكبارية الغاشمة .
ان الهوية الثقافية للشيعة العرب هي مزيج فريد من التراث العربي والإسلامي الشيعي، مما يجعلهم مختلفين عن الشيعة الإيرانيين والعرب السنة... ؛ و هذه الهوية التاريخية والاجتماعية تحتاج إلى حماية وتعزيز من خلال مؤسسات ثقافية وتعليمية ودينية خاصة بهم , فضلا عن استفادة الشيعة العرب من ثرواتهم الطبيعية التي حرموا منها لصالح الاخرين .
تجارب الشيعة العرب في المنطقة، سواء على المستوى التاريخي أو المعاصر، هي سلسلة من المضايقات و المآسي والمظالم الذي تعرضوا له على يد الأنظمة السياسية والبيئات الاجتماعية السنية... ؛ فقد عانى الشيعة العرب من التمييز الطائفي والتهميش والإقصاء، بل ومن العداء التكفيري الذي وصل إلى حد إلغاء وجودهم كمواطنين أصليين في بلدانهم. فبالرغم من أنهم يمثلون جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والتاريخي للمنطقة، إلا أنهم لم يشعروا أبدًا بالمواطنة الكاملة بسبب سيطرة الأنظمة السياسية الطائفية والبيئات الاجتماعية المتعصبة.
بعض الأنظمة الحاكمة في البلدان التي يشكل فيها الشيعة العرب أغلبية، مثل العراق والبحرين ، لا تمت بصلة حقيقية لتلك البلدان... ؛ فهي أنظمة ذات جذور أجنبية أو غريبة عن المجتمع، وتعمل على خدمة مصالح فئة محدودة على حساب الأغلبية الشيعية الوطنية ... ؛ وقد قبل الشيعة العرب بهذه المظالم والقسمة الضيزى لسنوات طويلة، بل وقدموا تنازلات متتالية أملاً في تحقيق السلام والتعايش والسلم الاهلي والامن المجتمعي ، لكن هذه التنازلات لم تجلب لهم سوى المزيد من القمع والاضطهاد والقهر والتمييز ... ؛ فتم قتلهم تحت كل حجر ومدر، وشُردوا في أصقاع الأرض، وصودرت أموالهم وممتلكاتهم، وفي أفضل الأحوال، عوملوا كمواطنين من الدرجة العاشرة.
بل إن الأمر وصل إلى حد تفضيل الأجانب والغرباء على الشيعة العرب، الذين هم أحفاد الممالك العربية القديمة وأبناء القبائل العربية العريقة... ؛ فصار السني العثماني، الذي لا يمت بصلة للعروبة ، يُعتبر عربيًا قحطانيًا، بينما الشيعي العربي، المنتمي إلى قبائل عربية أصيلة، يُوصم بأنه عجمي أو هندي... ؛ و هذا التزوير للتاريخ والتلاعب بالهويات لم يكن سوى محاولة لطمس الحقائق وإرضاءً للأمراض النفسية والعقد الطائفية التي يعاني منها بعض أبناء الطائفة السنية وحكامها الاخساء والعملاء .
التشيع نفسه صار عارًا و تهمة لا تُغتفر، حتى لو كان الشيعي يتمتع بأعلى الفضائل الأخلاقية والوطنية... ؛ فالشيعة العرب، الذين انخرطوا في التنظيمات القومية العربية مثل الناصرية والبعثية، أو ناضلوا مع قوى اليسار والشيوعية، أو حتى عملوا مع الأحزاب الوطنية العلمانية والليبرالية، لم يسلموا من التمييز والاضطهاد. بل إن بعض الشيعة العرب الذين انضموا إلى الحركات الإسلامية السنية، مثل الإخوان المسلمين، أو تعاونوا معها، لم يجدوا سوى العذاب والسجون والإعدامات والمقابر الجماعية.
ففي الاجتماعات القومية أو البعثية، كان الشيعي يتعرض للسخرية والتنابز بالألقاب المهينة مثل "عبد الزهرة"، في إشارة إلى ولاء الشيعة للإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد ... ؛ حتى العادات والتقاليد العربية الشيعية، التي هي جزء أصيل من الثقافة العربية العراقية والاحسائية والبحرينية ... الخ ، تم السخرية منها وتشويهها، بينما يتم الاحتفاء بالثقافة العثمانية الأجنبية والإيرانية الغريبة... ؛ وهكذا صار الدخيل الذي لا يعرف اسم جده الخامس يتهم ابن المشيخة العشائرية والقبيلة العربية بنسبه، في مفارقة تاريخية مأساوية... ؛ اذ عملت وسائل الاعلام المعادية الى تصوير الشيعة العرب كخونة أو غرباء ودخلاء أو عملاء لأجندات خارجية، بينما يتم بينما يتم تمجيد الثقافات الأجنبية مثل العثمانية وغيرها والاحتفاء بالشخصيات غير العربية والتي قد لا تنتمي للوطن لمجرد كونها سنية ... ؛ وهذه المظالم جعلت المواطن الشيعي بين خيارين لا ثالث لهما : الاول : بغض الانظمة السنية السياسية الطائفية وعدم التعايش مع البيئات السنية الاجتماعية التكفيرية والمتعصبة ؛ والثاني : الارتماء في الحضن الايراني للشعور بدفء الهوية المذهبية المغيبة في بلدانهم واوطانهم ... ؛ والسبب في هذه المأساة الانسانية عدم وجود وطن يجمع الشيعة العرب ويمارسون فيه حرياتهم ؛ ويخلصهم من عفن الانظمة السياسية السنية الطائفية , وجرائم ومجازر البيئات التكفيرية المتشددة .
أما فيما يتعلق بالجانب الإيراني، فلا شك أن الإيرانيين، وخاصة الفرس منهم، أمة متحضرة لا تميل إلى العنف أو البطش أو الإرهاب كالأتراك والاعراب ؛ فهم شعب مسالم وحكيم، لا يُفضلون العنف إذا وجدوا طريقًا للسلم... ؛ ومع ذلك، فهم معتزون بقوميتهم وتاريخهم وثقافتهم إلى حدٍّ قد يوصف بالعنصرية أحيانًا، إذ لا يقبلون بوجود ثقافة موازية أو منافسة على أرضهم. كما أنهم يسخّرون كل شيء لخدمة القومية الفارسية ومصالح إيران، حتى إنهم ينسبون لأنفسهم بعض الشخصيات والأراضي العراقية التاريخية زورًا و كذبا .
وعندما ضمّت إيران أجزاءً من الأراضي العراقية، لم تواجه مناطق الكرد والفيلية واللر، التي كانت تابعة للعراق، أي مشاكل تذكر مع الإيرانيين، نظرًا لجذورهم الإيرانية... ؛ في المقابل، واجه عرب الأحواز وعبادان والمحمرة تمييزًا عنصريًا واضحًا، وتعرضوا لمشاكل عديدة مع جميع الأنظمة السياسية الإيرانية المتعاقبة... ؛ ورغم أن النظام الإسلامي الحالي يُعتبر أفضل للعرب الشيعة في الاحواز مقارنة بالأنظمة السابقة، إلا أن سياسات التعسف والتسلط والتغيير الديموغرافي أدت إلى ردود فعل غير متوقعة... ؛ فقد تخلّى بعض الشيعة العرب عن مذهبهم التاريخي وانخرطوا في التيارات الوهابية والمذاهب السنية ، بدافع الكراهية للإيرانيين الشيعة... ؛ بل إن بعضهم وصل إلى حد الترحم على صدام ، عدو الشيعة العرب، لمجرد أنه حارب الإيرانيين... ؛ وهذا السلوك جعلهم يتفقون، بشكل غير مباشر، مع أعدائهم من الطائفيين السنة، الذين يمجدون أي شخصية تُظهر عداءً للشيعة وتُسقط حقوقهم...!!
لقد سئم الشيعة العرب من سياسات الإقصاء والتهميش التي تمارسها الأنظمة العنصرية والطائفية والتكفيرية، حيث حولتهم تلك الأنظمة إلى مجرد أرقام هامشية لا قيمة لها في أوطانهم... ؛ فقد تم تفضيل الغرباء والأجانب والدخلاء عليهم، كما هو الحال في البحرين على سبيل المثال... ؛ وعلى الرغم من انخراط الشيعة العرب في مجتمعاتهم واوطانهم ، وتضحيتهم بكل غالٍ ونفيس في سبيلها، والتزامهم بالقوانين الوطنية ومبادئ الوحدة الإسلامية والمذهبية، إلا أنهم تعرضوا لمعاملة مجحفة وواجهوا أنواعًا مختلفة من الضغوطات والمضايقات... ؛ وشمل ذلك الاعتقالات التعسفية، والإعدامات دون محاكمة عادلة ، وممارسات الإبادة الجماعية، والتصفيات الجسدية ، فضلًا عن سلب حقوقهم وثرواتهم وتجريدهم من مصادر القوة والنفوذ.
ولهذا، يرى الشيعة العرب أن لهم الحق في إنشاء دولة عربية شيعية خالصة، خالية من العناصر التي تتعارض مع الهوية الشيعية العربية... ؛ بمعنى آخر، فإنهم يسعون إلى إقامة دولة عربية شيعية بحتة، لا يشاركهم فيها أحد.
وعليه، يتوجب على النخب الشيعية العربية في العراق والمنطقة أن تدعو إلى تأسيس دولة قومية عربية، ينتمي أبناؤها إلى الطائفة الشيعية - كمكون اجتماعي - بمختلف مدارسها وحركاتها ومذاهبها، بما في ذلك أولئك الذين يتبنون توجهات خارج الإطار الديني للطائفة ، كالعلمانية أو الليبرالية أو الإلحاد.
فبالرغم من أن جذور أبناء هذه الدولة تعود إلى القومية العربية والديانة الإسلامية الشيعية، إلا أن ذلك لا يمنع من تحول المجتمع إلى مجتمع علماني، كما هو الحال في أذربيجان الشيعية على سبيل المثال... ؛ ولتحقيق هذا الهدف المنشود لغالبية أبناء الطائفة الشيعية العربية، لا بد من دعوة المجتمع الدولي ومطالبة القوى الكبرى بتحقيق هذا المطلب المشروع، الذي من شأنه أن يحفظ دماءهم ويحقق تطلعاتهم في العيش بحرية وأمن واستقرار وانسجام .
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat