روحك لطيفة لا تلوثها بالخمر والمسكرات!
حسن الهاشمي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
حسن الهاشمي

مثلما الانسان بحاجة الى الاعتناء بجسمه ازاء ما يهدده من أمراض وأخطار، فإنه بحاجة إلى الاعتناء بروحه ازاء ما يعترضه من كآبة وانفصام، ليحصل على مبتغاه في الاستقرار النفسي والاطمئنان القلبي والسلوك المناقبي الذي يضمن له السعادة في الدارين، ولعل الانسان المتعلق قلبه بالمادة يتمتع بحياة هانئة لبرهة من الزمن، ولكن الدنيا دار بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، قد تنغّص على الواحد منا حياته بمرض أو احتياج أو فاقة أو اعاقة أو ما شابه ذلك من غوائل الدنيا المتعددة، ربما لا يستطيع الصمود أمام هذه التحديات، فينهار بمجرد مواجهتها منفردة أو مجتمعة، بخلاف الانسان المفعم قلبه بالايمان فإن ارتباطه بالغيب يضخّه الارادة الكافية لمواجهة المشاكل بكل رباطة جأش وصبر واناة وتجلد ريثما يصل إلى حياة هانئة أو يتمتع فيما ادّخره الله تعالى له في الآخرة من رضوان وجنات النعيم.
وهكذا فإن المؤمن تراه يتجنب المنكرات ومن ضمنها الخمر والمخدرات، لأنه يعلم قبل غيره انها تستوجب غضب الرحمن، وأنها خروج عن ربقة الايمان، وحرمان من شفاعة الاخوان، والأدهى من ذلك كله تكون سببا في دخول النيران، وعاقبتها اسوداد الوجه عند مقابلة الرحمن، وكأن روح المؤمن تنتشي نخب الايمان والحرية والانعتاق، انعتاق الروح من أسر الهفوات وضنك المسكرات ونزق الشهوات، لقد لمحت وجهك أيتها الحرية فأبصرت، وشممت طيبك فانتشيت، إذ أن وجهك نور لا يضاهيه نور النهار، وطيبك مسك ما تعطر بمثله مروج ولا هضاب، ومن لمح وجهك لمرة واحدة حجب عينيه عن كل وجه آخر، ومن تعطر بطيبك مرة واحدة يسد أنفه دون كل طيوب الأرض، أين طيبك من تلك الروائح الكريهة المنبعثة من على ارصفة الذل والهوان التعس؟! أين نورك البهي من ظلام الطريق الذي انتهجوه اولئك الهائمون على وجوههم صوب المهانة والسفالة والنكوص، لهذه الأسباب وغيرها نجد أن للخمر أضرارا روحية تخدش السمعة وتقرض الكرامة وتقوض الدين والسماحة، ومن أهم تلك الأضرار:
1ـ إنها محاربة ومعصية لله تعالى، فمن تناول شيئا منها أو جلب شيئا منها لغيره أو روّج لها أو استحسنها، فقد أعلن الحرب على الله فاستوجب لعنة الله وغضبه، يا لها من مصيبة ما اعظمها وما اتعسها، أن تعلن بإرادتك وبما آتاك الله تعالى من قوة وقدرة واختيار، وبما سخّر لك الليل والنهار لتبتغي من فضل الله تعالى، وبما وهب لك من نعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، وبما خلقك في أحسن هيئة وتقويم، بالرغم من كلّ هذه النعم الجمّة فان المتعاطي للخمر والمسكرات يقوم وبمحض ارادته بمحاربة ومعصية الله تعالى أمام الملأ دون وازع ضمير ودون وجل من عذاب الله ومقته، نعم انها المصيبة العظمى أن يقدم على هذه الموبقة ويأسر روحه اللطيفة بقيود تورده موارد التيه والهلكة والعصيان، وهذه الأعاصير العاتية انما تعصف بأولئك المهزوزين روحيا، أما الذين اعتمرت قلوبهم بالإيمان تراهم كزبر الحديد لا تزيدهم كثرة الاغراءات والابتلاءات والامتحانات الا ثباتا وصمودا وشموخا.
2ـ الخروج من الإيمان: الروح ذلك الوجود الأزلي الناصع البياض، وذلك الوجود الشفّاف الذي يضفي على الجسد هيبة التمام والكمال والجمال، ذلك الأمر الخارق الذي لا يعلم كنهه الا الله تعالى وهو من مختصاته التي يضفي على الانسان قداسة الوجود، كيف للمرء أن يلوّث تلك الروح المقدسة باقتراف الذنوب وعلى رأسها تناول الخمر والمخدرات التي تشوّه تلك الهبة الإلهية وتكون سببا رئيسيّا في خروج الإيمان من الانسان، وهو رأسماله الحقيقي والجوهري في الوجود، وبدونه يعيش الانسان كالأنعام بل هو أضلّ سبيلا، روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من زنى خرج من الإيمان، ومن شرب الخمر خرج من الإيمان، ومن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً خرج من الإيمان) أصول الكافي للكليني، ج2، ص 278.
3ـ الحرمان من شفاعة المعصوم عليه السلام: نحن دائما وابدا نتوسل الى الله تعالى ان يعاملنا بفضله ولا يعاملنا بعدله، وان من فضل الله تعالى علينا انه وهب لنا شفاعة محمد وآل محمد يوم المحشر، فانهم سبل الهداية وسفن النجاة في الدارين، وشارب الخمر ومتعاطي المسكرات بعمله المشؤوم هذا انما يقدم على حرمان نفسه وربما من يلوذ به والمتأثر بأفعاله القبيحة ـ من تلك الهديّة الثمينة وهي شفاعة المعصوم عليه السلام يوم الورود، وهو بذلك قد فوّت على نفسه من الاستزادة والاستفاضة من تلك الفيوضات الإلهية التي لا يتلقّاها الا ذو حظ عظيم، روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته، ولا يرد عليّ الحوض لا والله، لا ينال شفاعتي من شرب المسكر، ولا يرد عليّ الحوض لا والله) الكافي للكليني، ج6، ص400.
4ـ لا تقبل صلاة شارب الخمر: انما شرّع الله تعالى الصلاة لتزكية النفس، ولشكر الخالق على عظيم نعمائه، ولكي تقوّم سلوك الانسان وتجعله آدميا متكاملا مستقيما، والانسان الذي يلتقي بربه خمس مرات في اليوم من المفترض أن يكون طاهرا عاملا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ومن المعلوم ان شرب الخمر من أتعس أنواع المنكر، فما فائدة من يصلّي وهو يحتسي الخمر آناء الليل وأطراف النهار، فان هكذا صلاة لا تعدو لقلقة لسان، والله تعالى لا يقبل صلاة شارب الخمر مطلقا؛ لأنها منافية للغرض الذي شرّعت الصلاة من أجله، روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من شرب مسكراً انحبست صلاته أربعين يوماً، وإن مات في الأربعين، مات ميتة جاهليّةً، فإن تاب، تاب الله عزّ وجلّ عليه) الكافي للكليني، ج6، ص400.
5ـ العذاب الأليم في الآخرة: روي في الأثر أن حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرام محمد حرام الى يوم القيامة، وكل من يقترف تلك الموبقة على انها حلال، فهذا لعمري استهتار وانقلاب على أحكام الله تعالى والتي هي توقيفية، وهو موجب لسخط الله تعالى والخلود في النار، أما الذي يتناول المسكرات ويعلم أنها حرام ولكنها الغفلة هي التي أوردته المناهل الشيطانية، فان عذابه يكون أخفّ من الأول، فانه يعذّب في النار جزاء تجرّيه على ارتكاب المعصية، ولكن ربما يشمله بعد حين لطف الله تعالى وشفاعة المعصوم، فيتزحزح عن النار ويدخل الجنة ويساعده في ذلك وجود الأعمال الصالحة في صحيفة أعماله، روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من شرب النّبيذ على أنّه حلال خُلّد في النّار، ومن شربه على أنّه حرام عُذّب في النّار) الكافي للكليني، ج6، ص398.
6ـ اسوداد الوجه: نقرأ في الدعاء: اللهم بيِّض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تُسَوِّد وجهي بظلماتك يوم تَسْودُ وجوه أعدائك، ولا أعرف ظلمة أشد اسوادا من شرب الخمر وفقدان الوعي وغياب العقل والحجى، ومن الطبيعي ان هذه الظلمة لشارب الخمر تنعكس على وجهه، فيحشر يوم القيامة مسودا وجهه مدلعا لسانه يسيل لعابه على صدره جزاء ما اقترفه من موبقة قاصمة في حياته الدنيوية، روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يؤتى شارب الخمر يوم القيامة مسودّاً وجهه مُدْلَعاً لسانه، يسيلُ لعابه على صدره، وحقٌّ على الله عزَّ وجلَّ أن يسقيه من طينةٍ خبال (أو قال: من بئر خبال)، قال: قلت: وما بئر خبال؟ قال: بئر يسيل فيها صديد الزِّناة) الكافي للكليني، ج6، ص396.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat