حرق القران من بوابات السياسة ودهاليز المخابرات
جاسم محمدعلي المعموري
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
جاسم محمدعلي المعموري

امرأة مرشحة لمنصب سياسي عام، تتجرأ على الصعود أمام الكاميرا، ممسكة بنسخة من القرآن الكريم، وتشعل فيها النار، وتصيح في هستيريا محمومة: "سيتم اغتصاب بناتكم وقطع رؤوس أبنائكم ما لم نوقف الإسلام مرة واحدة وإلى الأبد"، هذا يعني إننا لا نقف أمام حادثة طائشة، بل أمام لحظة سقوط أخلاقي مروّع في قلب الحياة السياسية الأمريكية. هذه ليست كلمات سكران في حانة رخيصة. هذه تصريحات تُبث على الملأ عبر الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، صادرة عن امرأة تسعى لتمثيل منطقة في تكساس، الولاية التي تتفاخر بتاريخها الحضاري وثقافتها الإنجيلية. ومن موقع طموح سياسي، تعلن جوميز تعهّدها العلني بـ"إنهاء الإسلام" في ولاية أمريكية، وكأن الإسلام كائن غازي يجب إبادته، لا عقيدة يدين بها ملايين الأمريكيين المواطنين الذين وُلدوا وترعرعوا ودرسوا وعملوا في هذا البلد.
جوميزأو (جاموسة) سمها بما شئت قامت بعمل تحريضي ارهابي بكل معنى الكلمة.. نعم، إرهابي, لأن الإرهاب ليس فقط من يحمل سلاحا ويطلق النار، بل من يُلقي كلمات مسمومة تُشعل حرائق في القلوب وتزرع الكراهية وتُهيئ الأرضية لسفك الدماء, لذلك كل من يحمل أعواد ثقاب الكراهية ويشعلها في غابة من الغضب والخوف، مسؤول عن كل شرارة تنطلق منها.
هذه المرأة لم تكتفِ بإهانة ملياري مسلم، بل أهانت فكرة أمريكا ذاتها، أمريكا التي قامت على حرية المعتقد، على المساواة أمام القانون، على التنوع الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة لا مبررًا للشيطنة, إنّ من يحرق كتابًا مقدسا لا يحرق أوراقًا، بل يحرق الجسور بين الناس, ومن يصف أبناء ديانة معينة بأنهم مغتصِبون وقتلة، يفتح الباب أمام المجازر، ولو بالكلمات.
جوميز لم تهاجم فقط المسلمين، بل أعلنت الحرب على الافارقة السود، والمهاجرين، وكل من لا يدخل في قالبها العرقي والديني الضيق. كلماتها تقطر بعنصرية منقوعة في بركة آسنة, ومدفوعة بحقد لا اساس له، وكأنها تتحدث من عالم خيالي من العصور الوسطى، حيث يُقتَل الآخر لأنه يختلف، ويُعدَم لأنه لا يصلي نفس الصلوات. لو كان مسلم أمريكي قد فعل عُشر ما قامت به، لاعتُقِل فورًا، واتُهم بالإرهاب، ووُضِع اسمه في قوائم اتهامات لا تنتهي. أما هي، فتقف بكامل وقاحتها، تحرق القرآن، وتتبجّح بأن أمريكا دولة مسيحية "وعلى المسلمين أن يذهبوا إلى 57 دولة أخرى مسلمة". من أعطاها هذا الحق؟ من خوّلها أن تدعو الى طرد أبناء هذا الوطن من وطنهم؟ من نصبها حاكمة على العقائد والأرواح؟
أي ديمقراطية هذه التي تسمح بتسويق مثل هذا الخطاب دون محاسبة؟ أية عدالة هذه التي تجعل من جملة "أوقفوا الإبادة في فلسطين" تهمة بـ"معاداة السامية"، بينما تمر عبارات مثل "اقطعوا رؤوس المسلمين" تحت مظلة "حرية التعبير"؟ من قال إن حرية التعبير تشمل التحريض على الإبادة؟ هل من المقبول قانونًا أن أقول "يجب قتل المسيحيين" أو "يجب طرد اليهود"؟ لا- بالتاكيد- لا.. إذًا لماذا يُسمح لفالنتينا جوميز أن تقول ما قالت، دون أن تهتز لها طاولة في الكونغرس؟ هل صارت الكراهية وظيفة سياسية، والكذب المقدّس برنامجًا انتخابيًا؟ هل نحن امام مجانين سفلة يبحثون عن الشهرة الزائفة ؟ ام ان المخابرات تريد عينات لمختبراتها ؟ ام اننا نشهد انحطاطا اخلاقيا لامثيل له ينذر بسقوط ونهاية الديمقراطية ؟ أسألة كثيرة تطرح هنا وتحتاج الى من يجيب عليها من اهل الاختصاص والمعرفة.
انا لا اكتب عن امرأة جاهلة، بل عن نظام يتيح لها أن تصعد. عن بنية تسمح بتصعيد الجهل والعنصرية لتصبحا أدوات انتخاب،عن عار لا حساب عليه. ووراء كل فالنتينا جوميز، هناك آلاف يصفقون، ويتحمسون، ويضعون أوراقهم في صناديق الاقتراع، معتقدين أنهم "يدافعون عن أمريكا"، بينما هم يهدمونها من الداخل.
أمريكا اليوم أمام خيارين: إما أن تكون أمة ناضجة، تقف بكل قوة ضد كل خطاب يُهدّد وحدة شعبها، أو أن تتحول إلى ساحة احتراب داخلي دائم، حيث كل أقلية تتحصّن، وكل طائفة تشكّ في الأخرى، وحيث يصبح الدين خندقًا لا جسرًا تشتعل فيه نيران الفتن فإن الجميع ساقط فيه لا محالة, ولا يظنن أحد أن النار التي بدأت عند المسلمين ستبقى عندهم, من يُحَرِّض على مسلم اليوم، سيحرّض غدًا على يهودي، او بوذي, أو مهاجر، أو أسود، أو فقير.. وهذه النار لا تفرق بين اخضر او يابس، ومَن يبارك اشتعالها، سيكتوي بها ولو بعد حين.
وإننا، - يجب علينا- ان نصرخ في وجه هذا الجنون، وان نوقفه عند حده .. كفى.. كفى متاجرة بالدين.. كفى ترويعًا للأقليات.. كفى تمثيلًا زائفًا لله على الأرض, الإله الذي تستدعيه جوميز ليس إله المسيح، ولا إله المحبة، ولا حتى إله العقل. بل إله صغير خلقته أحقادها وأوهامها.
على أمريكا أن تختار الآن إما أن تكون دولة قانون وحريات، أو أن تصبح ملعبًا للكراهية المنفلتة, فالخيار ليس بين المسيحية والإسلام او اليهودية او البوذية او غيرها، بل بين الحضارة والهمجية، بين الحرية والديكتاتورية المقنّعة, وعلى كل إنسان شريف أن يقولها علنًا, نحن نقف مع كرامة الإنسان، مع حرية العقيدة، مع احترام المقدسات، ضد الحرق، ضد الشيطنة، ضد الإرهاب السياسي.
ولفالنتينا جوميز اقول, لم ولن يُهزم دين بحرق كتاب ، ولم تُطفأ فكرة بإشعال النيران، ولم تُبنَ أمة على ركام كتاب مقدس. ولكن التاريخ لا يرحم، والناس لا تنسى, وكل كلمة قلتِها، وكل حقدٍ نفثتِه، سيبقى شاهدًا على زمن كان فيه الظلام يتسلل من بوابات السياسة ودهاليز المخابرات.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat