صفحة الكاتب : رياض سعد

العراقي بين نعمة الحرية ومسؤولية الحفاظ عليها
رياض سعد

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

إذا وضعنا جميع إنجازات الحضارة الحديثة في كفة، ووضعنا مبدأ احترام الحريات الشخصية والعامة في الكفة الأخرى، لكانت الكفة الثانية هي الراجحة بلا أدنى شك.

فما قيمة الإنسان دون حرية؟

وكيف يختلف عن العبد المقهور إذا حُرم منها؟

وكما يُقال: "بالأضداد تُعرف الأشياء"، فإن للحريات أضداداً كثيرة، منها: العبودية، والقمع، وإسكات الأصوات، والتدخل في الشؤون الشخصية والعائلية والعامة ، وفرض الرقابة على الأفكار والممارسات، والتجسس على الأفراد، وتتبع تحركاتهم، ومحاسبتهم على أدق تفاصيل حياتهم، من أفكارهم إلى معتقداتهم، مروراً بسلوكياتهم الشخصية... ؛  كل ذلك يتم تحت مسميات مختلفة، كالدين تارة، والسلطة تارة أخرى، أو حتى تحت ذريعة الأمن الوطني... الخ .

فلا عيش يُذكر ولا حياة تُستحق دون حرية... ؛  فما فائدة الخبز الوفير إذا كان الإنسان يعيش في قفص من الخوف والقيود؟

الحرية هي التي تكشف حقيقة الناس، إذ إن الخوف من السلطة والعقاب يخفي جوهر الإنسان الحقيقي، ويجعل الجميع يبدون متشابهين رغم اختلافاتهم العميقة... ؛  ففي ظل العبودية والقمع، لا مكان للتنوع أو التعددية او الابداع والابتكار .

وبعد سقوط الأنظمة الاستبدادية والطائفية في العراق عام 2003 ، منَّ الله على الشعب العراقي بنعمة الحرية... ؛  فأصبح لكل فرد الحق في التعبير عن رأيه، واختيار طريق حياته، دون خوف من سلطة قمعية... ؛  وأصبحت المظاهرات الشهرية أمراً معتاداً، بل تحولت إلى ما يشبه الكرنفالات التي يشارك فيها الجميع بفرح، دون خوف من عواقب... ؛  كما انتشرت مئات الأحزاب السياسية، والقنوات الإعلامية، والصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، مما أظهر التنوع الثقافي والاجتماعي للعراق بشكل واضح.

ومع ذلك، فإن هذه الحرية جاءت بتحديات كبيرة وفي ظل مخاضات عسيرة  وظروف معقدة ... ؛  واقترنت الحريات بالسلبيات احيانا , فبعض العراقيين أساءوا استخدام هذه الحرية، وتجاوزوا الحدود المسموح بها... ؛  فبدلاً من أن تكون الحرية وسيلة لبناء الوطن، أصبحت لدى البعض ذريعة للفوضى والتآمر والخيانة  ... ؛  فمنهم من تعدى على الممتلكات العامة والخاصة، ومنهم من خرب المرافق العامة، كإشارات المرور وأعمدة الإنارة، تحت ذريعة المناسبات الدينية أو الاحتفالات  الاجتماعية... ؛  وأصبحت الشوارع مملوءة بالقمامة، دون أي اعتبار للقوانين أو للآخرين... ؛ فضلا عن عدم الالتزام بالإرشادات المروية , بل وتجاوز بعض الاعلاميات والعاملات في الصالونات وبائعات الهوى وغيرهن  على شرطة المرور ورجال القانون وفي وضح النهار , مما افقد الحكومة هيبتها , بالإضافة الى ان بعض المسؤولين أصبحوا يسيئون استخدام مناصبهم، ويتلفظون بألفاظ بذيئة دون خوف من مساءلة او حياء , واستغلوا المناصب للأغراض الشخصية والحزبية وتحقيق الاهداف المنكوسة والاعمال والصفقات المشبوهة .

وهذا النوع من الحرية المفرطة لا يوجد حتى في أكثر الدول تقدماً... ؛  ولذلك، فإن الحفاظ على هذه النعمة يتطلب جهوداً كبيرة... ؛  أولاً، يجب تعليم الأجيال الجديدة منذ الصغر على احترام الحريات وحقوق الإنسان ؛  ثانياً، يجب وضع قوانين صارمة تضمن ممارسة الحريات دون الإضرار بالآخرين أو بالوطن... ؛  ثالثاً، يجب تطبيق هذه القوانين على الجميع دون تمييز... ؛  وأخيراً، يجب على وسائل الإعلام أن تلعب دوراً في رفع الوعي المجتمعي، وتوضيح الفرق بين الحرية المسؤولة والاستهتار الذي يضر بالجميع.

فالحرية ليست مجرد حق، بل هي مسؤولية... ؛  وعلى كل مواطن أن يمارس حريته بما يتوافق مع القانون والدستور، وبما يحترم حقوق الآخرين... ؛ وبهذه الاجراءات  يمكن للعراق أن يحافظ على نعمة الحرية، ويبني مستقبلاً أفضل لأجياله القادمة.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


رياض سعد
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/04/01



كتابة تعليق لموضوع : العراقي بين نعمة الحرية ومسؤولية الحفاظ عليها
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net