تَهميشُ الكَفاءِاتِ ودَعْمُ التَّافِهينَ خطرٌ حقيقيٌّ تواجِهُهُ المجتمعاتُ البَشريَّةُ
ياسين يوسف اليوسف
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
ياسين يوسف اليوسف

تُعدُّ الكفاءات البشريَّة من أهم الموارد في أي مجتمع يسعى للتقدم والنهضة، إذْ أنَّ العقول المبدعة تسهمُ كثيراً في تطوير العلوم، والاقتصاد، والثّقافة، والسِّياسة، وغيرها ومع ذلك، تواجه العديد من المجتمعات اليوم ظاهرة خطيرة ومقلقة ومنها مجتمعاتنا -مع الأسف- تتمثلُ هذهِ الظاهرةُ بتهميشِ الكفاءات ودعمِ التافهينَ بشكلٍ لافتٍ للنظرِ، فيتمُّ إقصاءُ المبدعينَ والمنتجينَ مقابلَ تسليطِ الضَّوءِ على شخصيَّاتٍ فارغةٍ لا تقدّمُ للمجتمع إلا التفاهةَ والإسفافَ.
في هذا المقال، سنناقش الأسباب الرئيسة التي أدت إلى هذه الظاهرة الخطيرة، وتأثيراتها على المجتمعات، والحلول الممكنة لمواجهتها،
النقطة الأولى التي نريد الحديث عنها هي: ما هو مفهوم تهميش الكفاءات ودعم التافهين؟
ونعني بالتهميش هو عملية إقصاء وإبعاد أو تقليل أهمية الأفراد المتميزين والمبدعين في المجتمع، سواء كان ذلك في المجال العلمي، الأكاديمي، الفني، أو المهني، الرياضي، و يمكن أن يكون هذا التهميش مقصودًا نتيجة سياسات غير عادلة، أو غير مقصود بسبب قوى اجتماعية واقتصادية تفضل الشهرة على الجودة.
إما دعم التافهين فواضح وهو يشير إلى إبراز شخصيات تفتقر إلى العمق الفكري أو الإنتاج الحقيقي، بل تحمِل محتوىً هابطاً لا ينسجم والقيم النبيلة السامية بل يفتقر إلى أبسط قواعد الذوق العام ، وغالبًا ما يحدث ذلك في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم مكافأة المحتوى الترفيهي السطحي بمتابعات ودعم مادي أكبر من المحتوى البحثي التعليمي أو المعرفي.
النقطة الثانية: ما هي الأسباب والدوافع التي أدَّت إلى انتشار هذه الظاهرة.
يمكننا أن نلخص ذلك بعدة نقاط منها: التحولات الإعلامية والقفزات النوعية في تكنولوجيا الإعلام التي أدت إلى سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها ومسمَّياتها المختلفة، فهذه الثورة الرقمية في الإعلام أسهمت في انتشار المعلومات والتفاعل الاجتماعي. فأصبحت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تفضِّل المحتوى السريع والسطحي الذي يحمل عامل الترفيه على المحتوى العميق والمفيد؛ ونتيجة لذلك يحصل المؤثرون الذين يقدِّمون محتوى ترفيهي هابط على اهتمام أكبر -عند عامة طبقات المجتمع- مما يحصل عليه العلماء والباحثين.
ومنها: ضعف الأنظمة التعليمية، فبعض الأنظمة التعليمية تعاني من ضعف المناهج الدِّراسية وعدم تركيزها على التفكير النقدي الإبداعي الصحيح، مما يؤدي إلى تراجع قيمة العلم والمعرفة في المجتمع، مما يجعل الأفراد أقل اهتمامًا بالمحتوى المعرفي وأكثر ميلًا لاستهلاك المحتوى السطحي.
وقد يكون للفساد والمحسوبية دورٌ كبيرٌ في حصول التافهين على مناصب متقدِّمة بل قد يحصلوا على تمويل لأبحاثهم التافهة السَّطحية فهم يعملون بكل جديَّة لترويج أفكارهم ومحتواهم السطحي، وتُترك أبحاث الموهوبين والمبدعين ويمكن أن يتمّ تعيين الأفراد بناءً على العلاقات الاجتماعية، أو الولاء السِّياسي بدلاً من الكفاءَةِ، مما يُسهِم كثيراً في تهميش الكفاءات الحقيقية.
وغير ذلك من الأسباب التي جعلت بعض الناس أكثر اهتمامًا بالترفيه والمحتوى الهابط ، وهذا الذي أدى في بعض المجتمعات إلى ترميز التافهين وصعود نجمهم على حساب المفكِّرين والعلماء والباحثين ، في المقابل، يجد المبدعون صعوبة في جذب الاهتمام، مما يؤدي إلى فقدان الحافز للإنتاج المعرفي.
النقطة الثالثة التي نريد الحديث عنها هي تأثير هذه الظاهرة على المجتمع ، فعندما يتم إقصاء وتهميش العقول المفكرة والمبدعة والمثقفة، يتأثر التقدم التكنولوجي والاقتصادي سلبًا، مما يؤدي إلى تخلّف المجتمعات في مجالات الابتكار و التقدم العلمي والاقتصادي وتتراجع القيم الفكريَّة والثقافيَّة في المقابل يؤدي دعم التافهين إلى تشويه الذوق العام وانخفاض مستوى الوعي المجتمعي، حيث تصبح الرموز الثقافية شخصيات لا تقدم أي قيمة حقيقية للمجتمع، مما قد يشعر العديد من الشباب الموهوب بالإحباط خصوصاً عندما يرون أنَّ النجاح لا يعتمد على الجهد والابتكار، بل على الشهرة والعلاقات الاجتماعية. مما قد يدفع البعض إلى العزوف عن الإنتاج المعرفي.
النقطة الرابعة: كيف يمكننا التصدي و مواجهة هذه الظاهرة؟
هذه النقطة مهمة جداً في البحث إذ نحاول أن نرى الحلول المناسبة لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في مجتمعاتنا، ومن ملاحظة الأسباب يمكننا وضع الحلول، وقد يكون لإصلاح الأنظمة والمناهج التعليمية دورٌ في تعزيز مهارات التفكير النقدي والإبداعي في المناهج الدِّراسية، وتشجيع الطلاب على البحث والابتكار ودعم وتمويل بحوثهم العلمية وتطويرها بدلاً من التلقين والحفظ، مما يخلق بيئة تنافسية قائمة على الكفاءة بدلاً من الشهرة.
- وأيضاً- لابد من تنظيم للمحتوى الإعلامي والتواصل الاجتماعي وذلك بتشريع قوانين وسياسات تحفيزية لدعم المحتوى التعليمي والثقافي على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تقديم منح أو دعم مالي لصناع المحتوى التعليمي الهادف، وفرض قيود على المحتوى السطحي الذي لا يقدِّم أي قيمة ، أو فائدة للمجتمع.
ولابدَّ – أيضاً- من سنِّ قوانين صارمة لمكافحة الفساد والمحسوبية واحترام الإنسان على أساس انسانيته وانّ الفرص المهنية تمنح للأشخاص الأكفاء بناءً على مهاراتهم وإنجازاتهم ، وبذلك نعزز ثقافة التقدير للكفاءات
يجب أن تعمل وسائل الإعلام على إبراز العلماء والمبدعين والمفكرين كنماذج نجاح ملهمة، وتشجيع الأجيال القادمة على تقدير المعرفة والعلم بدلاً من الشهرة السطحية.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat