المرجعيّةُ الدينيّةُ العُليا: نسبُ النجاحِ المنخفضة ظاهرةٌ مؤلمةٌ تدعو الى القلق وتدعو إلى سرعةِ تشخيصِ الأسبابِ ووَضْعِ العلاجاتِ المناسبة لها...
أكّدت المرجعيّةُ الدينيّةُ العُليا أنّ نسب النجاح المنخفضة في المراحل التعليميّة في العراق، ظاهرةٌ مؤلمةٌ تدعو الى القلق، وتدعو إلى سرعة تشخيص الأسباب ووَضْع العلاجات المناسبة لها.
جاء ذلك خلال الخطبة الثانية من صلاة الجمعة المباركة هذا اليوم (15 ذي القعدة1440هـ) الموافق لـ(19 تمّوز 2019م)، التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الطاهر وكانت بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائيّ (دام عزّه)، وهذا نصّها:
أيّها الإخوة والأخوات موضوعنا في الخطبة الثانية هو عن التدنّي والانخفاض في مستوى التعليم في العراق، ما هي أسبابه؟ وما هو العلاج الممكن لهذه الظاهرة؟، أيّها الإخوة والأخوات لعلّكم اطّلعتم من خلال وسائل الإعلام على ما تناقلته وما أعلنته وزارةُ التربية من معدّلات النجاح في الصفوف المتوسّطة في الامتحانات الوزاريّة للصف الثالث المتوسّط، وممّا أعلنته بأنّ نسبة النجاح هي أربعةٌ وثلاثون وسبعة عشر بالمائة، وبملاحظة نسب النجاح الأخرى المنخفضة في مراحل تعليميّة أخرى في العراق، يُمكن أن تكشف هذه الأرقام عن تدنّي وانخفاض -على مستوى العموم والإجمال- بنسب النجاح في العراق، وهذه ظاهرةٌ مؤلمة تدعو الى القلق والسرعة لتشخيص الأسباب ووضع العلاجات المناسبة لها، نعم.. نحن لا ننكر ولا نتجاهل أنّ هناك نسباً من النجاح العالية لبعض الطلبة الذين حقّقوا معدّلات عالية -جزاهم الله خيراً-، ولكن بملاحظة على نحو العموم والإجمال هذه المرحلة الوزاريّة في الصفّ الثالث والنسبة التي أُعلنت، وأيضاً النسبة لعددٍ من المراحل يكشف ذلك عن ظاهرة خطيرة في المجال التعليميّ، وهو انخفاض وتدنّي في مستوى التعليم.
إخواني نلتفت لماذا هذه تُقلق، أوّلاً إذا لاحظنا الطلبة في هذه المراحل هم يمثّلون القاعدة الطلّابية المستقبليّة للمرحلة الجامعيّة، وأيضاً يمثّلون القاعدة للكوادر التعليميّة والوظيفيّة التي تتصدّى للمسؤوليّات في مستقبل البلد، هم بعد سنين سيصلون الى الجامعات وبعد الجامعات سيكونون في الوظائف المهمّة والكثيرة والمتشعّبة ومؤسّسات الدولة، وبالتالي هذا الانخفاض قد يؤشّر انخفاضاً في العطاء والأداء مستقبلاً هذا أوّلاً.
الشيء الثاني أنّ هذا الانخفاض له انعكاسات نفسيّة سلبيّة على الطلبة وعلى أولياء الأمور وعلى الكوادر التعليميّة وعلى مؤسّسات الدولة وعلى الوضع النفسيّ العامّ للبلد، لماذا؟ لأنّه سيولّد حالةً من الإحباط النفسيّ، وضعفَ الثقة بالنفس، وضعفَ الثقة بالقدرة التعليميّة والتدريسيّة في العراق على النهوض بهذا الجيل، لكي يكون هناك تطوّر وازدهار في البلد، هذه الحالة النفسيّة التي تحصل ستُنذر بمزيدٍ من الانحدار والتدنّي مستقبلاً ممّا يهدّد موقع العراق التعليميّ والتربويّ الإقليميّ والدوليّ، وحتّى يؤثّر على مستقبل العراق حضاريّاً وفي مجالات الحياة المختلفة، لذلك من هنا إخواني لابُدّ أن يكون هناك اهتمامٌ وعناية كافية توازي هذا التدنّي والانخفاض في مستوى التعليم ووَضْع العلاج السريع، وهنا قبل أن نذكر الأسباب إخواني ونذكر ما هي العلاجات، نقول: مَنْ يتحمّل المسؤوليّة في ذلك؟ نحن هنا لابُدّ أن نشخّص بالنسبة الى العمليّة التربويّة هي منظومة متكاملة، مرتبطٌ بعضها بالبعض الآخر ارتباطاً وثيقاً، العمليّة التعليميّة نتاجُ منظومة وسأبيّن عناصر هذه المنظومة التي هي نتاج منظومةٍ متكاملة ترتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً، هذه المنظومة بعناصرها المتعدّدة إن فشلت فشلت العمليّة التعليميّة وإن نجحت بتمامها نجحت العمليّة التربويّة.
نبتدئ أوّلاً بهذه المقوّمات الثلاثة، الأفراد (الطالب، الكوادر التعليميّة، كوادر إدارات المدارس، كوادر المؤسّسات التعليميّة) هذا أوّلاً، ثانياً المؤسّسات التعليميّة (الأسرة -أوّل شيء كأسرة- دعنا عن أولياء الأمور كأسرة، كإدارة مدرسة، كإدارة مديريّة تربية، كإدارة وزارة التربية، السلطة التشريعيّة والتنفيذيّة التي تتعلّق مهامّها ووظائفها بالعمليّة التربويّة)، ثالثاً المنهج التعليميّ الذي يُتّبع وله مواصفات خاصّة، هذه المقوّمات الثلاثة عبارة عن منظومة مترابطة بعضها ببعض، أيّ فشلٍ أو إخفاق في واحدٍ من هذه المقوّمات يؤدّي الى الفشل في العمليّة التعليميّة.
لؤي, [١٩.٠٧.١٩ ١٥:٤٢]
نأتي الآن -إخواني- الى ذكر بعض الأسباب التي ذُكرت في هذا المجال ونبيّنها، من الأسباب التي ذُكرت ونحتاج الى علاجها هو عدم تطوّر القدرة التعليميّة للكوادر التعليميّة والتدريسيّة أي أنّها بقيت جامدة على حالها، قدرة المعلّم وقدرة المدرّس في أن يوصل المادّة العلميّة الى ذهن الطالب، والطلبة مختلفون في مستوياتهم الذهنيّة والعقليّة وفي الأجواء الاجتماعيّة التي يعيشونها، قدرة هذه الكوادر لم تتطوّر ولم ترتقِ، الكثير من دول العالم طوّرت من القدرات التعليميّة لمعلّميها ومدرّسيها بحيث استطاعوا أن ينهضوا بالمناهج التعليميّة الجديدة، نحن لم تتطوّر لدينا هذه القدرات التعليميّة، المعلّم بحاجة الى دوراتٍ لتطوير هذه القدرة حتّى يستطيع أن يوصل المادّة العلميّة الى الطلبة، وإلّا إذا بقي الوضعُ على هذا الحال لا يُمكن أن ترتقي العمليّة التعليميّة.
الأمر الثاني هو عدم استقرار المناهج الدراسيّة والتغيير المستمرّ لها، بل صعوبة بعض هذه المناهج للطالب، نحن مع تطوير المناهج التعليميّة ولكن لابُدّ أن يُلاحظ فيها أنّ هذا المنهج التعليميّ للصفّ الكذائي يُناسب المستوى الذهنيّ والعقليّ للطالب، لابُدّ أن تُهيَّأ المستلزمات حتّى يستطيع الطالب فهم هذا المنهج الدراسيّ الجديد، وإلّا فإنّ هذا التغيير المستمرّ من دون أن يتناسب مع قدرات المعلّمين والمدرّسين قد لا يستطيع المعلّم والمدرّس أن يوصل هذا المنهج الدراسيّ الجديد الى ذهن الطالب، وبالتالي تحصل الكثير من الإخفاقات، من هنا لابُدّ أن تكون هناك كوادر تدرس قدرات الطالب في المرحلة والأوضاع التي يعيشها الطالب، ثمّ تضع المناهج التعليميّة التي تُناسب مستويات الطلبة.
أيضاً من الأمور الأخرى المهمّة هي الأساليب التعليميّة المتّبعة والوسائل المتّبعة، أيّها الإخوة والأخوات ما زلنا نتّبع أسلوب التلقين، والطالب تعوّد على ما يُعرف بـ(الدرخ) للمادّة العلميّة، الآن في واقع الدول المتطوّرة هناك أسلوب التحفيز الذهنيّ أو ما يسمّيه أهل الاختصاص (العصف الذهنيّ)، هذا الأسلوب أيضاً يُتّبع في الدراسة الحوزويّة، كيف نعوّد الطالب على أن يستخدم عقله وقدرته الفكريّة في أن يفكّر وأن يحلّل وأن يستنتج، هذه مسألةٌ مهمّة، نستطيع أن نصنع طالباً ناجحاً إذا ابتعدنا عن الأسلوب التقليديّ في أن نلقّن الطالب المادّة العلميّة دون أن نعطيه القدرة على أن يفكّر من ذاته في المادة العلميّة، فيحلّلها ويستنتج من هذا التحليل المعلومات المطلوبة للوصول الى النتائج.. هذا في الواقع الإخوة الكثيرون الآن المطّلعون يعرفون أنّ الكثير من دول العالم التي تطوّرت وارتقت، لأنّ أسلوب التعليم تغيّر لديهم إضافةً الى الوسائل، ونحن ما زلنا في هذه الوسائل التقليديّة المتعارفة.. مع أنّ هناك وسائل حديثة تسهّل على الطالب الوصول الى فهم المادّة العلميّة.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat