الإحراق بالنار: بين الشبهة والحكم الشرعي
السيد يوسف البيومي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
في الأيام الماضية القليلة أستوقفتني مسألة حين كنت أتابع بعض الفضائيات الإعلامية وقد تفاجأت بأنهم عرضوا لبعض مشاهد إحراق بعض الناس وهم أحياء، وقد قاموا بمثل هذا الفعل طبعاً بإسم إنزال العقوبة الشرعية على هؤلاء الكفرة، ومن هنا دار النقاش بيني وبعض الأخوة من جواز إحراق الناس وهم أحياء، أم يكون الإحراق لهم بعد قتلهم..
وهل إن مثل هذه الأفعال هي من صلب الدين الإسلامي؟! ولكن قبل الجواب على هذا الموضوع لا بد لنا التعريف بفعل الإحراق واستعراضه عبر التاريخ..
الإحراق في اللغة: أي جعلت النار تأثر في الأشياء.
أما في المصطلح: هي إنزال العقوبة على أحد ما بإحراقه لاقترافه جريمة ما.
حكم الإحراق عبر التاريخ:
لقد أستعمل حكم الإحراق بالنار كوسيلة لإنزال العقوبة القصوى بالأفراد الذين قاموا بأفعال مشينة في اعتقاد الضمير الجماعي لأية جماعة أو حضارة عبر التاريخ..
فكانت الدول الماضية والغابرة عبر التاريخ تستعمل مثل هذه الوسائل في الناس الذين كانوا يتركون دين الأباء والأجداد وينتقلون إلى ديانات أخرى، ومثال على ذلك ما حصل مع نبي الله إبراهيم (عليه السلام) حين حكم عليه النمرود بحكم الإحراق بالنار لأنه لم يكن يعبد الأصنام وبشكل الخاص لأنه حارب النمرود بإدعائه الربوبية، وقد ذكر القرآن الكريم هذه القصة حيث عبرت الآية الكريمة عن هذه الحادثة في قوله تعالى:{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}. ولكن الله عز وجل نجا نبيه في هذه الحادثة فلم تستطع النار أن تؤثر فيه.
أيضاً، وفي القرون الوسطى استخدمت الكنيسة حكم الاحراق على هؤلاء الذين كانوا يختلفون معها في الرأي أو الفكر أو المعتقد وكانت ترميهم بتهمة الهرطقة أو الشعوذة ومن يصلبوهم ويحرقونهم أحياء..
وقد ورد عن حكم الإحراق بالنار في الديانة الإسلامية بعض الموارد التي تمنع الإحراق بالنار فقد ورد في أحد الأحاديث المروية عن ابن عباس قوله:" لا يعذب بالنار إلا رب النار".
ومع ذلك فإننا نرى أنه ومن خلال التدقيق في التاريخ الإسلامي نلاحظ أن هناك بعض الحوادث التي حكم على أصحابها بالإحراق بالنار، ولكن ما هي أصل هذه الحوادث، وما هي حقيقة الحكم عليهم بالإحراق بالنار..
أولاً: يروى أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد في بعض النواحي رجلاً يُنكح كما تنكح المرأة فاستشار علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأشار بإحراقه فأجمع الصحابة على ذلك فحرقه خالد ابن الوليد.
ولكن لم تحدد لنا هذه الرواية كيفية حرقه، ولكن في رواية أخرى تظهر لنا كيفية إنزال الحكم بالتحريق بالنار، فقد روي حين تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) الخلافة حكم على أحد الرجال بالقتل ومن ثم أن يوضع في بطنه خشب وأن يحرق..
فالحكم هو القتل ابتداءاً ومن ثم إحراق الجسد بالنار، ولربما يسئل البعض عن حكمة هذا الفعل، فإنه قد يعزى إلى عدة أمور منها:
أ ـ فداحة مثل هذا الفعل.
ب ـ العبارة للآخرين كي لا يقوموا بمثل هذا الفعل.
ج ـ لقد قرأت في بعض الأبحاث العلمية الحديثة أنهم ينصحون أهالي في الغرب الذين ثبت أن أقربائهم قد مارسوا مثل هذه الفاحشة بأن يحرقوا جثثهم لوجود بعض الكائنات التي تتسبب بأمراض لا تموت إلا بالحرق، فلربما وأقول لربما يكون الحكم عليهم بإحراق أجسادهم بعد قتلهم.
ثانياً: ورد في الحديث أنه لما قام ابن ملجم بضرب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهو يصلي، قال لهم الإمام (عليه السلام): "افعلوا به كما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفعل برجل أراد قتله، فقال: اقتلوه ثم حرِّقوه"(1).
وجاء عن ابن شهرآشوب: "إن هلك فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي فسئل عن معناه، فقال (عليه السلام): اقتلوه ثم احرقوه بالنار"(2).
وإن القسوة بالحكم عليه بالقتل ثم الإحراق هو أيضاً يدل على فظاعة العمل الذي قام به وهو كحكم قاتل الأنبياء.
ثالثاً: يروى أن قوم أدعوا أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الله.. فبعد أن قام بإلقاء الدليل عليهم ولم يقتنعوا، فأمر أن يقتلوا وأن يحرقوا بالنار..
ويمكن أن يقال: أن فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس من قبيل الأقوال التي يتمسك بعمومها وإطلاقها، فقد تكون هناك خصوصيات انضمت إلى دعواهم ألوهيته، فأوجبت هذا الحكم الجديد الذي هو القتل ومن ثم الأمر بإحراقهم بالنار..
وأخيراً، فإن ما قام به هؤلاء وبإسم الدين الإسلامي لا يجوز، لأن الحكم هو القتل ومن الإحراق، وذلك لكي لا يحس الموقع عليه العقاب بالآلام النار مع فداحة وفظاعة عمله من اللواط، أو قتل الأنبياء، أو إدعاء بأن مطلق شخص هو إله..
ولكن هؤلاء وللأسف لا يطبقون الفقه الإسلامي، ويمكن أن يقال عن هذا الفقه بأنه (الفقه النمرودي) الهدف منه إحراق كل القيم الإنسانية، والحضارية، وهو عمل "سادي" بما تحمله الكلمة من معنى، وصبر جميل والله المستعان على ما يفعلون..
[1] الوسائل ج18 باب 3 من ابواب حد اللواط الحديث4.
[2] مسند احمد ج1 ص93
قناتنا على التلغرام :
https://t.me/kitabat
السيد يوسف البيومي

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat