ثنائية الزمان والمكان في الملتقى الثقافي لجامعة الزهراء
أكد الباحث العراقي المغترب الدكتور نضير الخزرجي على أهمية التنظيم وإدراك قيمة الزمن في نجاح المشروعات الكبرى وديمومتها، فضلا عن المشروعات الصغرى، وتأثير ذلك على مكانة البقعة الجغرافية وقدسيتها.
جاء ذلك في الندوة الثقافية الحوارية التي دعت إليها جامعة الزهراء للعلوم الدينية في مدينة النجف الأشرف في الرابع من أيلول سبتمبر 2012م واستضافت فيها موفد دائرة المعارف الحسينية الأكاديمي الدكتور نضير الخزرجي للحديث عن معالم الموسوعة الحسينية، وكيفية الاستفادة من تجربة الفقيه الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي تمكن بمفرده من تأليف أكبر موسوعة في الإمام الحسين(ع) حتى اليوم تعدى المخطوط منها السبعمائة مجلد في ستين باباً من أبواب المعرفة وطبع منها 77 مجلداً.
وأشار المتحدث إلى جانب التنظيم في عمل المؤلف الذي استوعب النص المأثور عن الإمام علي عليه السلام: (أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر)، ووصيته: (الله الله .. ونظم أمركم)، وتمثل النص المأثور عن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام: (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)، فاستطاع بتجسيده لهذه النصوص الشريف وترجمتها على أرض الواقع أن ينظم وقته رغم مشاكله الكثيرة كعالم دين له مسؤولياته الإجتماعية وأن يبدأ الخطوة الأولى لمشروع الموسوعة الحسينية عام 1987م لينتهي ونحن في عام 2012م إلى طباعة 77 مجلداً من أكثر من 700 مجلد في علوم شتى محورها الإمام الحسين عليه السلام، فضلا عن موسوعته الأخرى في الشريعة في نحو ألف عنوان كتب منها حتى اليوم أكثر من 400 كتاب، وموسوعته الأخرى في تاريخ الإسلام في العالم بعدد بلدان الأرض طبع منها ستة كتب، ومؤلفاته في العروض والأوزان والبحور والقوافي صدرت في ثلاث مجلدات تمثل ثورة في البحور بعد الخليل الفراهيدي، ودواوين شعره التي بلغت حتى الآن 14 ديواناً، وكتاباته في التفسير واللغة وعشرات المؤلفات المختلفة في أغراض متنوعة.
وتطرق موفد الموسوعة الحسينية إلى مفردة المكان والمكين ونشوء الحواضر العلمية، مؤكداً أن الرجال هم الذين يخلقون المكانة العلمية للمكان وهم الذين يؤسسون لحواضر علمية يُشار لها بالبنان، فالبقعة الجغرافية بذاتها لا تخلق لها المكانة بين بقاع الأرض ما لم ينشأ فيها رجل أو رجال يمثلون قطب الرحى، فالنجف الأشرف مقدسة بوجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام واشتهرت حوزتها العلمية منذ ألف عام بانتقال الشيخ الطوسي إليها من بغداد، وهكذا الحال بالنسبة الى ناحية السيدة زينب في دمشق فإنها مشهورة بمرقد السيدة زينب بنت علي عليهما السلام ولم تكن فيها حوزة علمية حتى جاءها السيد حسن الشيرازي والشيخ محمد صادق الكرباسي وأقاما صرح أول حوزة علمية دمشق في العصر الحديث ويكون مؤلف الموسوعة الحسينية أول مدير لها.
ورأى الخزرجي أن الشيخ الكرباسي بما أتى به من مشاريع علمية في بلدان مختلفة، وبما ينتجه في الموسوعة الحسينية الكبرى إلى جانب المؤلفات الأخرى في الأبواب المختلفة يُعد حجة على كل من يتذرع بقلة الإمكانات والزمان في إنشاء الموسوعات الكبرى حول قادة الإسلام ولملمة تراثهم والتحقيق فيه، ولذلك لا عذر للحواضر العلمية في السعي لعمل الموسوعات الكبرى مع وجود الكوادر العلمية والإمكانات المادية اللامحدودة.
وتطرق الدكتور نضير الخزرجي في محاضرته إلى أهمية التشجيع المبكر في مجال التأليف منوهاً إلى تجربته الشخصية وتأثره بالأدب العربي صغيراً، مؤكداً على ضرورة الإهتمام بأدب الصغار وترغيب طلبة المدارس الإبتدائية على القراءة أو القراءة لهم، وضرورة إقامة مكتبات عامة في كل حي من أحياء المدينة وعدم الإكتفاء بالمكاتب المركزية العامة، على أن توظف المكتبات كوادر تهتم بشؤون الصغار، مشيراً الى مؤلف الموسوعة الحسينية الذي دخل مركب العلم والتعلم صغيراً وأصبح ضليعاً في علوم متفرقة مكنته من النهوض بأعباء موسوعة كبرى ذات علوم شتى. كما توقف المتحدث في نهاية محاضرته على الطالبات والكادر التدريسي والإداري في جامعة الزهراء عند مفردة التواضع المعرفي مشيراً إلى أهمية التواضع للعلم التي هي ميزة المؤلف الناجحين وسر نجاح طلبة العلوم، كون التكبر المانع الكبير من الإبداع ومواصلة طلب العلم، داعيا إلى أن يكون شعار كل طالب علم: (أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد) وأن يتذكر قولة فقيه أهل العراق الشهيد سعيد بن جبير الأسدي: (مع المحبرة إلى المقبرة).
وفي ختام الملتقى الثقافي أجاب الدكتور نضير الخزرجي على عدد من أسئلة المشاركات وتركزت على دور المرأة في المجالات العلمية وكيفية التوليف بين دور المرأة كأم وزوجة ومتطلبات الحياة العلمية والخدمية، وخلص المتكلم في إيجاباته إلى أن المرأة التي شاركت النبي محمد(ص) في حمل الرسالة الإسلامية في الحرب والسلم هي أسوة لكل إمرأة، وأن الإسلام ما طار في سماء العقائد إلاّ بجناحي امرأة ورجل هما خديجة بنت خويلد زوج الرسول(ص) وعلي بن أبي طالب زوج بنت الرسول(ص).
والمفيد ذكره أن الندوة الثقافية الحوارية قدّم لها الأديب الشيخ حسنين تويني أحد أساتذة جامعة الصدر للعلوم الدينية، حيث أشار إلى ارتكاز كل مدنية وحضارة إلى قطرات أربع هي: قطرة دم وقطرة بكاء وقطرة مداد وقطرة عرق، وهذه القطرات دلالة على الجهود المضنية التي ينبغي أن تبذلها الأمة وهي تؤسس لحضارة تكون محط فخر الأبناء وإعجاب الأصدقاء ورهبة الأعداء، على أن القطرات الأربع لا تؤدي مفعولها إن لم تتفاعل في بوتقة واحدة ويكون العامل المؤثر فيها هو قطرة المداد وبها تؤتي القطرات الثلاث أكلها، فالأصل في قطرات الرقي والعزة والرفعة هي قطرة المداد لأنها الركيزة في نجاح المدنيات والحضارات، فالعلم الصائب هو الذي يوفر الأرضية السليمة لبذل الدمعة والدم والعرق في مواضعها دون إفراط أو تفريط.
كما أدار فترة الحوارات والمداخلات التدريسي في جامعة الصدر الدكتور الشيخ زيد الكاظمي الذي أشاد بدوره بالهمة العالية التي عليها المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي، داعيا كل طالب علم الى التأسي به بوصفه حجة على كل ذي قلم ومال، مشيراً الى الحواضر العلمية في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف بوصفهما يمثلان الوجه المشرق للعراق سابقا وحاضراً ومستقبلاً.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat