العالم الجديد: الانسحاب الأمريكي نحو أربيل يثير جملة من التساؤلات

كتابات في الميزان / الانسحاب الأمريكي من بعض القواعد العراقية نحو أربيل يثير جدلاً سياسياً وأمنياً واسعاً، إذ يراه البعض خرقاً لوحدة البلاد، كما يؤكد آخرون أنه جزء من إعادة التموضع المتفق عليها وصولاً إلى الانسحاب النهائي في أيلول 2026.

ما إن بدأت أولى مراحل انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، عبر انتقال القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد إلى قاعدة الحرير في أربيل، حتى أثيرت تساؤلات حول بنود الاتفاق بين بغداد وواشنطن، وهل شمل الانسحاب كافة أجزاء العراق أم جزء منه،

وفيما أكد مقرب من رئيس الحكومة أن بقاء القوات الأمريكية في أربيل يعد “خرقا”، كشف الحزب الديمقراطي الكردستاني، عن موافقة رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، شخصيا، في حين، نفى مصدر عسكري رفيع صدور أي قرارات من الأخير بهذا الشأن، مشيرا إلى أن ما جرى بالمجمل هو “إعادة تموضع” متفق عليه وصولا إلى الانسحاب النهائي في العام المقبل.

ويقول المحلل السياسي، المقرب من رئيس الحكومة، عائد الهلالي، إن “قضية الانسحاب الأمريكي من بعض القواعد العراقية باتجاه أربيل، تمثل أحد الملفات الحساسة التي تتطلب موقفا واضحا من الحكومة العراقية، لما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية ترتبط مباشرة بسيادة البلاد ووحدته الوطنية”.

التساؤلات

ويضيف الهلالي، أن “القرار الأمريكي بتحريك بعض قواته نحو أربيل، يثير جملة من التساؤلات، لا سيما أنه يأتي في ظرف إقليمي ودولي حساس، ما يفتح الباب أمام فرضيات متعددة، أبرزها محاولة واشنطن الإبقاء على موطئ قدم عسكري دائم في العراق عبر بوابة الإقليم، وهنا تؤكد الحكومة العراقية أن أي وجود عسكري أجنبي خارج الاتفاقات الرسمية المعلنة لا يمكن القبول به، وأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي معالجة هذا الملف بشفافية تامة وبما يحفظ سيادة العراق”.

ويؤكد أن “الحكومة العراقية تنظر إلى هذا الملف بعين المسؤولية الوطنية، وتتعامل معه باعتباره جزءا من معركة استكمال السيادة الوطنية وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة”،

مضيفا أن “رؤية الحكومة تنطلق من مبدأ أن أي اتفاق يتعلق بوجود القوات الأجنبية أو انسحابها، يجب أن يشمل جميع الأراضي العراقية من الشمال إلى الجنوب دون استثناء، وأربيل ليست كيانا منفصلا، بل هي جزء أصيل من الدولة العراقية، وأي محاولة للتعامل معها بمعزل عن بغداد أو خارج الإطار السيادي للحكومة الاتحادية يعد خرقا للدستور وتجاوزا على وحدة البلاد”.

وبدأ تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، عبر مغادرة أول قوة أمريكية من قاعدة الأسد في الأنبار باتجاه أربيل، واتجاه جزء منها للكويت، وآخر نحو قاعدة التنف في سوريا، على مراحل تستمر حتى أيلول سبتمبر 2026، لتحقيق الانسحاب الكامل.

وقد ذكرت السفارة الأمريكية في العراق، في بيان لها، أن انسحاب التحالف الدولي ليس نهاية عمله لهزيمة تنظيم داعش، بل إن التحالف الدولي سيواصل جهوده المدنية على مستوى العالم.

جدولة الانسحاب

ويأتي هذا الانسحاب، وفقا للإعلان المشترك بين الحكومة العراقية وواشنطن، في أيلول سبتمبر 2024، حيث جرت جدولة الانسحاب، في حينها بعد ضغوط داخلية عديدة.

وكان مكتب رئيس الوزراء، قد أعلن في 27 كانون الثاني يناير 2024، انطلاق أعمال اللجنة العسكریة العلیا المشتركة بين العراق والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لمراجعة مھمة التحالف الدولي لمحاربة داعش، وتقييم المخاطر، معلنا عن جدول زمني لإنھاء المھمة العسكریة للتحالف، والانتقال إلى علاقات أمنیة ثنائیة بین العراق والولایات المتحدة والدول الشريكة في التحالف.

موافقة مسبقة

وردا على ذلك، يؤكد عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني وفاء محمد كريم، أن “انسحاب جزء من القوات الأمريكية باتجاه مدينة أربيل، جاء بالاتفاق مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وموافقته حصرا”.

ويوضح كريم، أن “الجميع يدرك الحاجة للقوات الأمريكية في هذا التوقيت، لاسيما في ظل ضعف الأجهزة الأمنية، ونمو حركة الفصائل المسلحة التي تعتبر أقوى من أجهزة الدولة”،

مبينا أنه “في الوقت الحالي لن تقوم الفصائل المسلحة باستهداف أربيل، حتى لو انسحبت القوات الأمريكية وتمركزت في المدينة، لأنها تخشى المواجهة وتصاعد حملة الاستهدافات ضد قادتها، وبالتالي لا تريد فتح باب الحرب مجددا، ولكن إذا ما حصلت الحرب مجددا بين إسرائيل وإيران، فقد تكون حجة للاستهداف مرة أخرى، وهذه المرة سترد واشنطن وبقوة”.

ويشير إلى أن “وجود القوات الأمريكية في أربيل واختيارها من بين المدن العراقية الأخرى، يؤكد مدى ثقل إقليم كردستان، وتأثيره في الداخل الأمريكي، وهذا الأمر سيعزز من مكانته دوليا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا، وهذا ما لاحظناه من طلب الخارجية الأمريكية من بغداد حول قضية الرواتب وإنهاء مشكلة تصدير نفط كردستان”.

ويردف أن “إقليم كردستان يشكل معادلة صعبة، خاصة مع وجود أكبر قنصلية أمريكية في العالم داخل أربيل، وبالتالي يجب عدم الاستعجال بالانسحاب الأمريكي، ولن نكون طرفا في الصراعات الحاصلة في المنطقة”.

المنهاج الحكومي

وكان مستشار رئيس الوزراء حسين علاوي، قد قال قبل يومين، إن “الحكومة العراقية ملتزمة بالمنهاج الحكومي، عبر بناء القوات المسلحة وإنهاء مهام التحالف الدولي، ونقل العلاقات الأمنية مع دولة التحالف الدولي إلى علاقات دفاعية ثنائية مستقرة تحكم في ضوء العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي تنفيذ الاتفاق بين العراق ودول التحالف الدولي ماضي نحو الأمام”.

وأفادت مصادر مطلعة بأن “قرار سحب جزء من القوات الأمريكية جاء خلافا للجدول الزمني الذي كان قد تم الاتفاق حوله بشأن الانسحاب التدريجي للقوات، والذي كان من المفترض أن يجري بعد إجراء الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني نوفمبر المقبل”، مرجحة أن “يكون رد فعل من الإدارة الأمريكية تجاه موقف العراق المنحاز إلى إيران خلال الفترة الماضية”.

ليس انسحابا حقيقيا

إلى ذلك، يبين رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري،  أن “ما يجري هو إعادة تموضع طبيعي، والانتقال من عين الأسد إلى قاعدة الحرير في أربيل، يعتبر نقطة تحول في السياسة الأمريكية”.

ويوضح الياسري، أن “واشنطن تتحسب من احتمالية إقرار قانون الحشد الشعبي، في وقت هي تمتلك الكثير من الاوراق ضد العراق، من بينها فسح المجال أمام إسرائيل لاستهداف قادة الفصائل، كما جرى في لبنان وإيران”

، مبينا أن “هناك ترقبا لجولة مواجهة بين إيران وإسرائيل، والعراق ليس بعيدا عن هذه المواجهة، والاستهداف قد يحصل من الفصائل أولا، خاصة وأنها تسعى حاليا بنشوة بعد قرار الانسحاب”.

ويتابع أن “استهداف أربيل قد يحصل في أي وقت كما جرى خلال الشهر الماضي، عندما استهدفت الحقول النفطية، ولكن الانسحاب باتجاه قاعدة الحرير، هو جزء من التأمين الأمني للقوات الأمريكية، لكن تلك القوات لن تترك قاعدة عين الأسد كليا، لأنها مرتبطة بمسرح عمليات الشرق الأوسط”.

مصدر عسكري ينفي

من جانبه، يقول مصدر عسكري رفيع،  إن “ما جرى هو متفق عليه وفق اللجان الحكومية المشتركة، ولا يوجد أي تحرك مفاجئ أو مخالف للاتفاق، والأمر يسير وفق توقيتات زمنية معلومة”.

وحول الانسحاب التام من الأراضي العراقية، بما فيها أربيل، يشير المصدر، إلى أن “ذلك محدد بحلول أيلول سبتمبر من العام المقبل، وهو قرار سيادي، ومن صلاحيات الحكومة الاتحادية حصرا”.

وبشأن وجود موافقة حصرية من قبل رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، لتواجد القوات في قاعدة الحرير، ينفي “وجود مثل هكذا استثناء، لأنه ليس من صلاحياته، وإن مثل هذه القرارات تتخذ من قبل اللجان المتخصصة التي ترفع إليه قرارتها من أجل الموافقة عليها، وأن الأمريكان لا يتعاملون مع أوامر ارتجالية أو شفهية حتى لو كانت من قبل رئيس الحكومة شخصيا، بل وفق قرارات ومواقف حكومية علنية ومتسلسلة”.

وكانت القوات الأمريكية، قد انسحبت من العراق أواخر عام 2011، بعد دخولها البلاد عام 2003، قبل أن تعود مرة أخرى في 2014 من بوابة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الذي بسط سيطرته على أراض كبيرة في العراق وسوريا، بطلب من الحكومة العراقية، حيث أعلن النصر على التنظيم المتشدد عام 2017، وبقيت تلك القوات متمركزة في قواعدها إلى اليوم.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/08/19



كتابة تعليق لموضوع : العالم الجديد: الانسحاب الأمريكي نحو أربيل يثير جملة من التساؤلات
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net