صفحة الكاتب : نزار حيدر

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الثّانيَةِ (٩)
نزار حيدر

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

   {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

   للاستماع الوارد في هذه الاية شروط، منها:

   اولا؛ التعددية الفكرية.

   ثانيا؛ حرية الاختيار.

   ثالثا؛ حرية التفكير.

   رابعا؛ حرية الراي.

   الحريّة، اذن، هي الجوهر الذي يتحقّق به حسن الاصغاء وحسن الاختيار، فالمجتمع المحكوم بلونٍ واحدٍ من القول والثقافة والراي، لا تتحقق فيه التعددية الفكرية، وبالتالي تُلغى فيه حرية اختيار واتباع الاحسن من القول، ولذلك شرعن الاسلام التعددية الفكرية بعيداً عن اي نوع من الارهاب الفكري الذي سببه عبادة الشخصية وتأليه الرمز! الذي يسوّق نفسه، يساعده في ذلك جيش من الابواق والنفعيّين والوصوليّين، كمصدر الهام للمجتمع لا ينبغي اتباع غيره او القبول بوجهة نظر غيره، كما كان يقول فرعون {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} لماذا؟ {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.

   ولشدة احترام الاسلام لحرية التفكير والتعبير، لذلك لم ينقل لنا التاريخ عن وجود حتى سجين رأي واحد في ظل سلطة المدينة المدنيّة التي اقامها رسول الله (ص) وكذا في عهد امير المؤمنين (ع) الذي يُعتبر الامتداد الطبيعي لسلطة الحق التي اقامها الرسول الكريم (ص).

   اما عندنا اليوم، فانت ممنوع من نقد القائد الضّرورة، أكان في السلطة او خارجها، بذريعة الرمزية تارة والمصلحة العليا تارة اخرى!.

   لقد كان الامام امير المؤمنين عليه السلام يشجّع الراي الاخر ويحث على التعبير عن الراي بحرية وكذلك النقد، فكان يرفض ترهيب المتحدّث باي شكلٍ من الأشكال، وكل ذلك من اجل تحطيم صنميّة الزعيم والقائد في المجتمع، والتي تدمّر الحرية وتُصيبها في مقتل، فكان يقول (ع)؛

   {فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى}.

   وفي عهده الى مالك الأشتر لما ولّاه مصر، كتب له يأمرهُ ويحرّضهُ على الاصغاء للراي الاخر {ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيَما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لاَِوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ}.

   انّ المجتمع الذي تحكمهُ عبادة الشخصية وكثرة المقدسات الوهميّة والخطوط الحمراء التي يرسمها كلّ من هبّ ودبّ في المجتمع، لا تجد فيه لهذه الاية أيّة مصداقية، بل تجده مجتمعاً مقلِّداً في كلّ شيء، لا يعرف كيف يقرأ؟ وماذا يقرأ؟ ولماذا يقرأ! ولا يعرف كيف يختار؟ ولماذا يختار؟ وماذا يختار؟ ومتى يختار؟! ولا يعرف كيف يعبّر عن نفسه؟ ولماذا؟ وبماذا؟!.

   انّ عبادة الشخصية تُلغي العقل ولا تساعد في القراءة أصلاً لانها تمنح العقل اجازة مفتوحة عندما يتخيّل المواطن انّ هناك من يقرأ ويفكر عنه بالنيابة، ولذلك فهو ليس بحاجة الى ان يبذل ايّ جهدٍ معرفي ليقرأ ويفكّر.

   تخيّل لو افترضنا ان ّفي العراق حالياً اكثر من (٥٠٠) حزب وحركة، الى جانبها (٥٠٠) رمز، هؤلاء كلّهم لا يجوز المساس بهم ولا يحقّ لاحدٍ نقدهم وتصويبهم ومساءلتهم ومحاسبتهم ومراقبتهم، انهم ذوات الهيّة فوق تصوّر البشر ودون إرادة الخالق، بين زعيم أوحد وقائد ضرورة ورمز تاريخي، فكيف سنتخيّل الوضع الثقافي والمعرفي والفكري في المجتمع؟!.

   كلّما تساءل مواطن او انتقد قيل له (وهل انك تفهم اكثر منه لتنتقده؟) في إشارة الى القائد الضرورة!.

   هؤلاء الأحياء، اما اذا أضفنا لهم الأموات من آدم ولحد الان، فسيتضاعف الانهيار المعرفي بدرجةٍ كبيرة.

   نحن نعيش حالة من الارهاب الفكري عميقة جداً، وهي اخطر انواع الارهاب، وهي كذلك أُس كل انواع الارهاب الاخرى.

   انها الارضيّة الخصْبة التي تنمو فيها ظاهرة النّفاق وازدواج الشخصية، لان المواطن مجبورٌ على السكوت او المدح والثناء!.

   اذا انتقدَ احدٌ اتُّهِمَ بخلفيّته، واذا أبدى احدٌ رأياً يخالف راي الزعيم طُعِن بعقائده، واذا اجتهد احدٌ فخالف المشهور طُرِدَ من الملّة بعد تكفيره واتهامه بالهرطقة مثلاً!.

   ان الارهاب الفكري هو المصدر الاول والاهم حتى للفساد المالي والاداري، فلو انّ الجو العام كان يسمح للمواطن ان يُراقب ويتساءل ويُحاسب وينتقد لما تجرّأ مسؤولٌ على ان يمدَّ يدهُ الى المال العام، ولما تجرّأ آخر على توزيع ابنائه وأحفاده وأصهاره على مؤسسات الدولة وكأنها إرث الذين خلّفوه!.

   ٢٥ حزيران ٢٠١٥ 

                    للتواصل؛

E-mail: nhaidar@hotmail. com


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


نزار حيدر
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/06/26



كتابة تعليق لموضوع : أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الثّانيَةِ (٩)
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net