هناك علوم تولد بين حقبة وأخرى..وهناك علوم تنقرض أو تتحوّل إلى آداب للتّسلية..وفي كل لحظة تاريخية يهيمن علم ما أو بارادايم ما أو أيديولوجيا ما..لا بدّ أن يهيمن شيء ما ليستمر نظام المعرفة والحياة..وفي كل مرحلة تقوم الثورة وتنفي كل شيء..لا وفاء بين العلوم ومناهجها..حالة داروينية من الافتراس العلمي والمنهجي أيضا..ليس بالضرورة أن تكون تلك الهيمنة ناهضة على مداميك علمية مكتملة، بل يكفي الإقناع..وحينما نقول الإقناع نعني الأيديولوجيا..ومرة أخرى نقول: لا إشكال في الأيديولوجيا من حيث المبدأ..بل لا مهرب منها..كم أضحكني أمر من يعتبر أن أمرا ما يكون أيديولوجيا، وكأنّ الأمور الأخرى خلو منها..تقول سيمون دي بوفوار كما قال قبل ذلك فرويد كما قال كثيرون سابقون ولاحقون، إنّ الذكورة أو الأنوثة هي صناعة اجتماعية وثقافية، هي بالنتيجة أيديولوجية..لكن ما هذه المغالطة، وما هي المساحة التي تخلوا في حياتنا كلّها من الغواية الأيديولوجية؟ أصلا وجب القول أنّ المعرفة بقدر ما تمكّن الأيديولوجيا من اكتساب قيمتها العلمية فأيضا الأيديولوجيا هي التي تمكّن المعرفة من الحياة، ومن اكتساب إمكانية العمل..هناك فروع من داخل العلوم تنتهك باترياركية العلوم/الأصل..فلا أبوية في مجتمع العلوم..ولا كمال في العلم..وحيث العلوم كلّها تحتفظ بمساحة من الريبة والظنون بوصفها أنساقا ظنّية مهما أمكنها من التجربة والتحقق، فإنّها مفتوحة أمام الاحتمال..فكرة المحافظة في العلم لها ما يبررها ولكن هذا لا يمنع من الثورة والنقد المستدام..فالذهن البشري يركن إلى التساهل والتسامح مع الظنون وينفر من الجهد والتحقيق..ولذا كان نصيب الناس من العلم قليل..وحظّ العالم من عدد العلماء قليل..تتنامى مشاعر غير علمية حول البارادايم العلمي..الإصرار على الأصول العامة للفكر والعلم ومناهضة كل أشكال الريبة في أسسها أمر في الغالب لا يصدر عن موقف علمي بل عن مشاعر تشكلت على هامش التحقيق..ولو أنّ العلماء استسلموا لمشاعرهم لما ثارت ثائرة العلم..ولما تناسخت العلوم كما لو أننا أمام تناسخ الأرواح.. فلا شيء من أنساقها عرف الثبات..ومهما تعجرف جيل من الأجيال فهو يبدو متخلّفا متى أشرقت أنوار الحقائق من جديد..وكأنّ لكل جيل نصيبه من ذاك الإشراق..إنّ العلماء الذين يتمتّعون بقلوب قاسية وخالية من المشاعر تجاه الأصول العامة لعلم ما هم وحدهم الذين يستطيعون إنقاذ البشرية من رتابة العلوم وبؤس ظنونها..تاريخ الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وغيرها شاهد على أنّ الثبات ليس من شأن العلوم ولا يجديها نفعا..وكم بذل العلماء من جهد وتحدّي لكسر تابوهات العلوم التي اكتسبت قدسيتها من الروابط السيكولوجية مع أصولها العامة..ولكن خرم الأصول العامة ليس أمرا فوضويا..بل هو حاجة يفرضها انسداد العلوم..ويفرضها تاريخها..والحاجات المتجدّدة للتغيير..ليس بذي جدوى إعلان الثورة الحمقاء على كل الأصول العامة كما لو أن المعرفة هي عماء..فالعدمية هي واحدة من الحيل اللاّشعورية المستعملة في إذكاء الفوضى لصالح أصول عامة خفية..مع تنامي تلك المشاعر السيكولوجية حول الأصول العامة تتنامى أيضا مصالح لا حدود لها، وهو ما أسميه بالإقتصاد السياسي للمعرفة والعلوم..هنا تستلفتني فكرة المقاصد التي تأخذ معنى المصالح..وهي لا تخلو منها علوم الإنسان والمجتمع والشرائع..هنا وجب التذكير بانحراف المصلحة، حيث تصبح مصلحة كامنة في ذات التمسك بتلك الأصول العامة..ويصبح أهل المصلحة حرّاس معبد الأصول العامة لعلم من العلوم لا من حيث مقاصده ومصالحه العامة بل لجهة مقاصده الخاصة التي لا تعتبرها القوانين ولا الأعراف العقلائية نفسها..وفي مثل هذه الحالة تتحوّل المعركة بين حرس البارادايم ودعاة النقد المفتوح إلى معركة انفعالية وعاطفية ومشتل كبير لكل أنواع المغالطات..والمفارقة هنا أنّ أشكالا من المغالطات التي بها نحيا لبعضها منافع قد تقوم بها الحياة وتتجدد..مثل الباكتيريا النافعة التي لا يستغني عنها الجسم..فليس في مقدور العقل دائما أن يرسي أنساقا للإقناع حول قضايا قد يتوصّل إليها بسرعة الحدس الرياضي أو الشعري..ولكن وجود المغالطة في سير الأدلة التي يحمي بها دعواه لا يعني أن جوهر الفكرة خاطئ بالضرورة..العقل لا ينتظر البرهان لكي يسلك باتجاه أهدافه..بل العقل يؤجّل التحقيق أو كمال الحقيقة..بل إنّ من الحقائق ما لا يكشف عن عمقه إلاّ بعد تمثّله وتطبيقه..بعضها لا يتحقق إلا بعد أن يصبح أيديولوجيا.. هناك مشكلة عدم تناغم زمان النتائج وزمان البراهين..في المنطق الاستدلالي التقليدي كنا نحسب أنّ الإستدلال أوّلا،في حين أنّنا نرى وظيفة الاستدلال هو تقاسم القناعة، بينما النتيجة أوّلا..غير أنّ طرائق بلوغ الحقيقة عديدة.. وحدس الحقيقة يسبق البرهان عليها..هذا هو الفرق بين العقل الرياضي والشعري، وبين العقل المقولاتي الذي يشبه عقل الصّاغة..استشكل عليّ قارئ من الطّراز الرديئ لإحدى كتبي: كيف أتطرق للنتيجة في المقدمة بينما كان يفترض أن أذكرها في الخاتمة بعد أن أستدل عليها..القارئ لم يجرّب يوما أن تعاطى مع الرياضيات ولا الشعر..فضلا عن سوء استيعابه لأنواع المقدّمات..كان أستاذي في الرياضيات يقلب موازين النظر..كان يكتب: النتيجة أوّلا ثم البرهنة ثم الفرضية..كنت معجبا منذ الطفولة بهذا القلب المنطقي للبرهان..فالفرضية في نظري ليست هي ما يأتي في البداية، بل النتيجة هي ما يأتي أولا، أما الفرضية فهي تحيين للنتيجة أو بداية إخضاع الحدس لإجراءات الاستدلال البرهاني..إنّ آخر ما نفعله هو أن نفترض..الفرضية أخيرا..يجب أن يكون العلم ونقد العلم شأنا مستمرا، وبأن يربط العالم علاقة حذرة ونقدية ومرنة مع الأصول العامة لكل علم من العلوم..
|