المغالطة بالمفاهيم هي أقصى أنواع المغالطة..ذلك لأنّ تبديل معجم لغوي بآخر اصطلاحي لن يخفي هشاشة المضمون..المفاهيم أمانات، فلا يكفي فيها التمثّل لا اللغوي ولا حتى الإصطلاحي إذا خفيت أسباب النزول..نصل متأخرين لنركب قاطرة غير مخصصة لنا..المفهوم أمانة بمعنى وجب عدم استعماله عبثا..وإتقان المفاهيم هو أن تنمو ملكاتنا حول تلك المفاهيم بخبرة وتثبت وتحقيق ونسقية متينة..ومن ذلك مفاهيم كالثورة والاحتجاج والحرية والديمقراطية والتواصل والتسامح وما إليها من مفاهيم تبدو كالكاملوت في استعمالاتنا البالية لها..يتجلى بؤس مقارباتنا في ذلك التحيين المتأخر للمفاهيم..يحضر بتمثلات ممسرحة لا تختبر عمق الأشياء..أن تفيق متأخرا وأن تلعق في مفهوم بالي..أو توّقت وعيك كله بآخر كنّاش تستظهره..ودعونا نتحدث عن مفهوم الاحتجاج..ثمة من له مذهبان في الثورة والاحتجاج: مقبولة هناك مرفوضة هنا..الكاطاليزور الذي يحدد المائز هنا هو الوظيفة المشبوهة لصناعة الإلتباس..حين تصبح المفاهيم الفلسفية في خدمة المشاريع المشبوهة..الحديث عن سوسيولوجيا الاحتجاج مهمّ وهو مبحوث ومتعارف عليه عند دراري السوسيولوجيا لم يعد لغزا، لكن هل بإمكاننا الانتقال من مقاربة سوسيولوجيا الاحتجاج إلى إمبريالية الاحتجاج كي نفهم كيف تصبح الأعطاب السوسيولوجيا في خدمة الأهداف الإمبريالية نفسها، وكيف تتحرك الرجعية لتستقطب من لا شأن له ولا رأي في لعبة الضجيج وخلط الأوراق؟ تبدأ الاحتجاجات بريئة لأنّ دائما هناك مطالب عادلة للشعوب..وتبدو القضية عادية ما لم يحتل الوعي الشّقي مسارات هذه الاحتجاجات إلى حدّ الإغضاء عن الأطماع الإمبريالية التي تنسق بداية تنفيذ مخططاتها المزمنة على أي لحظة دراماتيكية في المجتمعات..الوعي الكامل وحده يملك إيجاد التناغم بين المطلب الاجتماعي والمطلب التحرري..تتحول الاحتجاجات من حركة مطلبية اجتماعية إلى حركة ملتبسة في مهبّ الريح حينما لا يحصل الوعي بالزمن التّاريخي للاحتجاجات، وحين لا تملك الشعوب حماية احتجاجاتها المشروعة بوعي كامل لا يستهين بالأخطار الجيوستراتيجية باعتبار أن العالم ليس معزولا عن بعضه بل هو عضو في نظام دولي يقول على التآمر والمصالح وإدارة الأزمات بالأزمات.. تستطيع الشعوب أن تحقق الكثير من المطالب حين تستند إلى هذا الوعي..حين تكبر بمطالبها خارج منطق الانتحار الذّاتي..حين تقبض على الوعي التاريخي الضروري لإدارة احتجاجاتها كشعوب حرّة لا كقطيع من العبيد..ففي الوعي الضروري لهذا النوع من الاحتجاجات توجد أولويات، وتوجد اختيارات، ولا شيء مهمل البتة في سلم أولويات الاحتجاجات الحرّة.. يبقى الحديث حول المافيا..حول عصائب الإعلام المضلل..حول صناع المغالطات..أصحاب الصفقات..كل هؤلاء هم جزء من المشكلة..هؤلاء حققوا مطالبهم الفردية بموقف فاوستي..باعوا الشعوب ودخلوا في صفقات مع دوائر الرجعية ويحسبون أنفسهم أذكياء لا ترصدهم عيون المناضلين الذين يمتلكون الوعي التاريخي بالحقيقة..هناك من ينزل إلى الميدان بوعي تاريخي وهناك من ينزل بالكيدية والصفقات والريع النفطي..وشنان بين هذا وذاك.. المشهد رديئ..ورديئ جدّا..ومفعم بالنّفاق..وبناة الوعي المستقبلي هم من الضحالة بحيث لا يرعوون..والفوضى دخلت حيز المفاهيم..المزايدات هي أصلا استراتيجيا النفاق..تعجبك أجسادهم وأقوالهم المتمثلة غالبا عبر تفاهة البلاجيا..الهدف الدفع بالمعنى والمصطلح إلى حافّة الإلتباس والتمييع..قبل سنوات تحدثت باسم الوفود في مؤتمر إدارة المصطلح..لا أخفي أنه كان من أنحج المؤتمرات التي حضرت بالعراق..كان محور الملتقى حول إدارة المصطلح..وتناوب على ذلك خبراء كل في حقل اشتغاله..في التاريخ والجغرافيا والألسنية والتداوليات والفلسفة والعلوم البحتة وهلم جرا..وكان مما أكّدت عليه في عملية إدارة المصطلح هو أنّها لا تقلّ في خطورتها عن إدارة الأزمات..وأنّ أزمة المصطلح ولدت مع الإنسان..لكننا اليوم نعاني كثير بعد أن أصبح الإلتباس ليس فعلا فرديا أو تيّاريا بل فعلا إمبرياليا بامتياز..استعمال إمبريالي للمصطلح في إدارة الأزمات..استعارت الرجعية ذات الاستراتيجيا في استغلال المصطلح..هنا بات دور المثقف ضروريّا..لن يكون المثقف مستقلا بعد اليوم، فقط يكون المثقف في زمن التّفاهة مستقيلا...
|