تعقيبا على مقال وكيل وزارة الثقافة الأستاذ طاهر ناصر الحمود (الثقافة مسؤولية من؟)، مما لا ريب فيه، أن ثقافة كل بلد هي انعكاس لواقع سياسي واقتصادي وأخلاقي واجتماعي- نفسي، وأنها تتغير بتغير هذا الواقع، وأن المثقف والمبدع لهما دور فاعل في تقدم المجتمع وازدهار الوطن، ولكنه لا يستطيع ممارسة هذا الدور، وقبل بيان سبب عدم الاستطاعة، يثيرني سؤال مُلح وكثيرا ما يؤرقني يتمخض عن مدى حاجة المثقف للرعاية؟ ومدى حاجته للنهوض بالواقع؟ وكيف يمكنه الإقدام والمساهمة في تنمية الموهوبين والمبدعين خصوصا وإن المثقفين مكون رئيسي من مكونات الأمة.
وزارة الثقافة العراقية كان لها دور فاعل في تحقيق ما هو أبعد من ذلك، وهو استعادة أصالة الثقافة العراقية، لكن عدم قدرة القائمين على الثقافة منذ سقوط الدكتاتوريّة وحتّى هذه الساعة من وضع إستراتيجيات فاعلة لها قد جعل الثقافة تؤول إلى ما آلت إليه اليوم من تلكؤ في أدائها وتخبط في عملها، وليس بالضرورة أن تكون الوزارة الحالية هي المسؤول الأول عن ذلك.
إنّ وضع إستراتيجية واضحة للثقافة يشارك فيها مختصّون من ذوي الخبرات في هذا المضمار من شأنه أن يُجنّبَ القائمين عليها الوقوع في دائرة الحيرة والتردّد التي تتّسم بها بعض دوائر وزارة الثقافة العراقيّة التي ترهّلت بأشباه المثقفين وعديمي الكفاءة من جرّاء المحاصصة السياسيّة والطائفيّة، وكذلك المنظمات غير الحكومية ذات العلاقة إضافة الى المؤسسات المدنية التي تعمل وفق وجهاتها الثقافية الموجهة.
وتشخيص المسؤوليات وتوزيع المهام المساهم في رقي ثقافة البلد تبدأ من مشكلة العراق الثقافية بقدر ما هي سياسية، فأساس التخلف هو عدم وجود سياسة ثقافية قادرة على انتشال الفرد والمجتمع من الواقع الذي يعيشه، وما حصل في العراق من تناحر طائفي، وسياسي، وفساد إداري ومالي، سببه طبيعة الأفق الثقافي المحدود الذي يتحرك فيه الفرد العراقي.
وهكذا لا يمكن للبلد النهوض ما لم تتوفر مشاريع ثقافية شاملة وبنّاءة قادرة على إحداث نهضة ثقافية حقيقية، في ظل ظروف تاريخية مصيرية يعيشها العراق.
إضافة الى ذلك يجب التمييز بين المشروع الثقافي، وبين الأداء الثقافي، وما أثير لحد الآن لا ينحصر بوزارة الثقافة كمؤسسة حكومية فقط، وإنما يعني الجميع مؤسسات وأفرادا، وحينما تعجز الوزارة عن أداء مهامها الثقافية، لا يسقط الواجب عن المؤسسات الثقافية الأخرى في البلد.
|