قال الله تعالى وهو اصدق القائلين ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان, فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر )البقرة 185 .شهر رمضان ومادة (شهر) تأتي بمعنى الظهور , وسمي الشهر شهراً لظهوره , وهو جزء من اثني عشر , أما ( رمضان) مأخوذ من (رمض ) وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره, ويقال رمض الصائم يرمض أذا جر جوفه من شدة العطش , والصوم : هو ألامساك وتستعمل في الجماد والحيوان والآنسان, أحكام هذه الآية واضحة وصريحة , وفيها تعاليم حكيمة , ولا فيها غموض ولأراق , فأن الدين الآسلامي لم يفرض الصوم ألا على البالغين الأصحاء القادرين , وأعفى منه الصغار حتى يكبروا ويقدروا على الاحتمال , والمسافرين حتى يقيموا , والمرضى حتى يبرءوا , ولديهم أيام أخر من شهور السنة , يقضون ما فاتهم وهذا التنظيم الشرعي حكيما دقيقاً , ووضع كل شيْء في موضعه بترتيب وإتقان . فلقد أثبت الطب أن صيام الأطفال دون سن البلوغ ضار لهم , فأن أجسامهم الناشئة في حاجة إلى التغذية المستمرة , حتى تستطيع أن تنمو وتترعرع , فهو عند هذا السن لم يكلف بالصوم شرعاً ولا يحاسب ولا يقضي مافاته في المستقبل , ومن اجل ذلك فان الإباء والأمهات إلا يشجعوا أطفالهم على الصيام وإلزامهم جبريا , فلا بأس عليهم أن يبدؤ تدريجياً بالصوم ولفترات قليلة حتى ينشوء على حب الدين وهذه الفريضة , أما المرضى فقد رخص الله سبحانه وتعالى لهم الفطر , لعلمه جل علاه , أن المريض في حاجة إلى أكبر قسط من التغذية , وان مرضه يحتاج دائماً إلى تناول الدواء في فترات متقاربة . وان جسمه بالمرض يفقد جزء كبيراً من المقاومة , وقد يحول صومه وهو مريض دون امتصاص غذائه وذهابه إلى الدم لتغذيته , وتمكين شرايين جسمه من اداء واجباتها . وكذلك بالنسبة للمسافر الذي رخص له الله بالفطر , ولآمر أن السفر شاق لا يجد المسافر فيه نظام حياته ولا يستطيع أن يؤدي واجباته . والترخيص للمسافر بالفطر له حكمه علمية دقيقة , فقد اثبت بحث العلماء المتعمقين , أن جسم الآنسان وهو نائم يحتاج إلى غذاء خاص أمكن تقديره علمياً . وكذلك استطاعوا أن يقدروا غذاء المتحرك وغذاء الجالس , وكذلك غذاء العامل بجسمه والمفكر بعقله , فرأوا أن هناك تفاوتاً بين هذه الحالات بعضها من بعض واستطاعوا أن يصلوا إلى أن الآنسان المهموم يستنفذ كمية غذائية غير التي يستنفذها المسرور, والذي يعيش في الجو البارد بحاجة إلى الغذاء غير الذي يعيش في الجو الحار أو المعتدل , وعلى ضوء هذه البحوث العلمية رأوا أن حكمة الآسلام أن يفطر المسافر , وهي حكمة اجتماعية صحية تساير العصور وتتمشى مر ألازمان , فأن حركات المسافر على أي صورة من الصور , وبخاصة أذا لم يكن متين البنية قوياً, تحدث مضاعفات قد لاتمكنه من احتمال عبء الصيام فقد يلحق به الظمأ الشديد , وان لم يتناول الماء تعطل بعض أعضاء جسمه عن اداء وظيفته كالكبد أو الكلى , مثلا عندما تزيد حركتها في أثناء السفر والانتقال , والسفر مكروه في أيام رمضان ولايعني أن المسافر تجرد من ثواب شهر رمضان وبطل أجره في الدنيا , فإذا انتقلنا من هؤلاء المرخص لهم بالفطر إلى أولئك الأصحاب الذين فرض عليهم الصوم بالنظام الذي حدده الشارع الحكيم , الصوم هو راحة لجميع الأعضاء الداخلية لجهاز الآنسان , فأننا نشاهد أن الآلة الميكانيكية التي تعمل فترة طويلة من الزمن , يرى المشرفون عليها أن لابد لها من راحة لإصلاح ما فسد منها , وإذا نظرنا الى جميع من يعملون في مختلف الأعمال من بني الإنسان وجدناهم ينشدون الراحة والاستجمام في بعض أيام العام , حتى يستأنفوا أعمالهم في همه ونشاط , وليست معدة الآنسان ألا آلة من الآلات لاتستطيع أن تعمل باستمرار , آو تدوم على السير بنظام , ألا أذا أخذت قسطا وفيرا من الراحة , وكما أن كل عضو من أعضاء الإنسان في حاجة الى راحة تامة , فكذلك المعدة , ولن تتحقق راحتها ألا أذا خلت عدداً من الساعات في عديد من أيام العام من الاتخام بكثرة الطعام والشراب , نخرج من هذا كله الى أن فريضة الصيام في الإسلام هي طريقة صحية محضة للمحافظة على كيان الإنسان , وراحة معدته وأمعائه , حتى يعيش بصحة تامة لقوله تعالى ( وان تصوموا خير لكم أن كنتم تعلمون ), جاء في كتاب مواهب الرحمن ج3للسيد عبد الأعلى السبزواري قدس سره الشريف عن هذه الآية(, الصيام خير لكم أن كنتم تعلمون أي بمعنى أن كنتم تعلمون بأن التكاليف الآلهية ألطاف من الله لعبيده , وان الطاعة هي السبب في سعادة الآنسان وان الصوم فيه فضل كبير وفوائد كثيرة للناس وانه لمصلحة المكلفين) ولا ننسى أن شهر رمضان هو شهر الله تعالى وقال كل الأعمال لبني أدام ألا الصوم لي وأنا اجزي به , حيث تفتح أبواب الرحمة وتغلق أبواب العذاب ,ويتكاثر الرزق والخيرات في شهر الله الكريم, , والحمد لله الذي هدنا, وماكنا لنتهدي لولا ان هدانا الله , وربنا تقبل من جميع اخواننا المسلمين اعمالهم وضاعف اجرهم في شهرك الكريم يارب العالمين . |