قالت وهي تقرب الميكرفون من الرأس القطيع :
_ ما أسمك ؟
_ يحيى محمد عيسى .
_ كم عمرك ؟
_ إن كنت تقصدين عمري منذ ولادتي الى يوم رحيلي عن هذه الدنيا فهو عشرون عاماً أما عمري الحقيقي فهو يبدأ من تلك اللحظة الى ما لا أعلم له نهاية .
_ ماهو تحصيلك ؟
_ أرضعتني أمي حب علي وبنيه عليهم السلام ورباني والدي على التمسك بولايته والاستزادة من معرفة سيرته وفضائله فأكتفيت بهذا البحر الزاخر عن طلب الجداول والسواقي .
_ أين تسكن ؟
_ منذ أن ابصرت أول نور في هذا الوجود وأنا أسكن على هذا الاديم الذي شرفه مائة واربعة وعشرون الف نبي وأحتضن أجساد ستة من الائمة المعصومين وعددا من الانبياء (عليهم السلام) ومئات من بنيهم فلا تقطعين مسافة من بلادي الا وصادفك ضريح هو وتد من اوتاد هذي الارض , أما الان فأنا أسكن في وادي سلام مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا حيث ينعدم الشر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
_ أتعرف أين جسدك ؟
_ جسدي توحد مع هذه التربة المباركة فلا يهم اين مكانه بالتحديد ؟
_ وكيف قطع الأعداء رأسك ؟
_ أراد أولاد البغايا أن يذلوا عزتنا وهذا ما لا يكون فقد قال الله سبحانه وتعالى (لله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) المنافقون 8 وقال ابو عبد الله الحسين (عليه السلام) : (لا والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا اقر لكم إقرار العبيد ) .. وقال ايضا ً (ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين الذلة والسلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، و حجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبيه من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام) . وقد كنا أوقعنا في صفوفهم خسائر فادحة لكن ذخيرتنا نفدت أخيرا فخرجنا نقاتلهم بحراب بنادقنا لكنهم بدل أن يصوبوا رصاصهم الى قلوبنا صوبوه الى ارجلنا ليلتذوا بتعذيبنا وظنوا أنهم سيخيفوننا بسيوفهم التي هيأوها للذبح فشهرت ومن معي نحورنا فأرتجفت ايديهم فعجلوا بقطع رؤوسنا وحملوها مستبشرين كما فعل أجدادهم بالامام الحسين أبن بنت النبي وأهل بيته وصحبه (عليهم السلام) .
_ هل شعرت بالألم في تلك اللحظة ؟
بالعكس كان ذلك أحلى من العسل سبقني اليه القاسم بن الامام الحسن (عليه السلام) حين سأله عمه الامام الحسين (عليه السلام) كيف ترى الموت؟ قال: أحلى من العسل , وقد سقاني الامام الحسين (عليه السلام) شربة ازالت عني كل تعب وألم وعطش , لكني تألمت حين ودعتني أمي وهي تجبر نفسها على إظهار الابتسام على وجهها وشفتاها تلهج بالدعاء مع كل قطرة دمع تنساب على خدها وحين ودعتني عروسي التي كانت تحلم بالبنين والبنات وهي ما تزال في شهر عرسها الاول فكان تألمي لأنهم سيتألمون لفراقي .
_ هل مثّل بجسدك الاعداء بعد أن قطعوا رأسك ؟
_ لايهم ذلك فلي بعمِّ رسول الله (صلى الله عليه واله أسوة حسنة ) حين مضغت عدوة الله كبده .
_ هذا السؤال هو الأهم لماذا خرجت لتقاتل وأنت تعلم أنك ستقتل عاجلاً أو آجلاً ؟
_ هذا السؤال ليس مهماً بل كان من المفترض أن لا تسألي مثله , لأن الانسان لا يسأل لماذا دافعت عن دينك خصوصاً اذا تعرض هذا الدين الى حرب من قبل من لا دين له وتعرض ابناء هذا الدين للإبادة قدوتنا في ذلك رسول الله (صلى الله عليه واله) حين قاتل المشركين هو وأصحابه ببدر وأحد وحنين دفاعاً عن الدين الذي بُعث به وعن المسلمين الذين تحملوا الأذى لتطبيق شريعة الله في ارضه , وكذلك لا يُسأل الانسان اذا قاتل حفظاً لعرضه وشرفه وصوناً لأمه وأخته وزوجته , فعدونا قد بلغ من الخسة أنه لا يتورع عن النيل من المقدسات والاستهانة بالأعراض وهتك الحرمات .
هنا تجهش أخت الشهيد (الصحفية ) بالبكاء فرحاً بأخيها الشهيد البطل فيشرق وجهها بإبتسامة الرضا , وتقول رحمك الله يا أخي يا عزي وفخري وشرفي .. |