في الوقت الذي تُشدد فيه الولايات المتحدة وأوروبا ودول الجوار القيود على ملف الهجرة والتجنيس، بحجج أمنية واقتصادية وثقافية، وتفرض شروطًا قاسية للحصول على الجنسية حتى لأبناء الأجيال المولودة على أراضيها، يفتح العراق – بكل هشاشته السياسية والاجتماعية والاقتصادية – أبوابه على مصراعيها للوافدين من شتى الدول، دون حسيب أو رقيب، ودون أي دراسة لتبعات هذه السياسة الكارثية.
أمريكا تطرد المهاجرين غير الشرعيين... ؛ أوروبا تدفع المليارات لتقييد موجات اللجوء ... ؛ الكويت تسحب جنسيتها من أجيال وُلدت على أرضها حفاظًا على هويتها ... ؛ فيما العراق يشهد – منذ سنوات بل عقود طويلة – عمليات تجنيس واسعة لأجانب من جنسيات متعددة، بعضها مشبوهة أو قادمة من حواضن طائفية وعنصرية، يحمل كثير منهم رؤى معادية للأغلبية والامة العراقية وللهوية الوطنية ... ؛ يحدث كل ذلك في وقت يعاني فيه المواطن العراقي من البطالة، وضيق فرص العمل، وانعدام السكن، وتدهور الخدمات الأساسية!
الكثير من الدول تمنع التجنيس نهائيًا، والأكثر منها يضع شروطًا صارمة بحيث يصبح الحصول على جنسية هذا البلد أو ذاك أمرًا شبه مستحيل... ؛ بل وصل التشدد في الدول الأوروبية إلى حد مراقبة حسابات المواطنين والمقيمين وحتى المهاجرين على وسائل التواصل الاجتماعي ؛ فمن يروج للهجرة غير الشرعية، يتم تقييد حسابه وملاحقته قانونيًا فورًا.
أين نحن من كل ذلك؟
في العراق، يغيب التشريع الصارم، ويغيب الوعي بخطورة الملف، فيتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة لكل من لفظتهم بلدانهم، ولكل عابر سبيل ومتسول يبحث عن ملاذ جديد...؛ فالملف مهمل تمامًا، وكأن الوطن بلا حُماة ولا قوانين ... ؛ فهل العراق بلد تجارب؟ أم أصبح فندقًا كبيرًا بلا سيادة؟
إن فتح أبواب الوطن أمام العمالة الأجنبية والجاليات الوافدة بلا معايير وطنية صارمة، فضلًا عن عمليات التجنيس المشبوهة، يعني نسف البنية السكانية، وتهديد الهوية الوطنية، وشرعنة التغيير الديموغرافي والاحتلال الناعم... ؛ هذه ليست مبالغة ؛ فالتجارب العالمية تثبت أن انهيار التوازن الديموغرافي هو البوابة الأولى لتمزيق الدول من الداخل، وتحويلها إلى كيانات هشة تتحكم بها القوى الخارجية... ؛ وللأغلبية والامة العراقية تجارب قاسية مع ابناء الفئة الهجينة .
فهل يُدرك صانع القرار أن السكوت عن هذا الملف خيانة وطنية؟
هل يعي أن العراق لا يملك ترف التجريب، ولا يملك تماسكًا اجتماعيًا يسمح له بتحمل هذه السياسات العبثية؟
اليوم نرى العراق يفتح ذراعيه لكل الجنسيات بلا قيود: فلسطينيين، سودانيين، صوماليين، مصريين، سوريين، إيرانيين، أفغان، باكستانيين، هنود، بنغلادشيين ... وغيرهم... ؛ كل ذلك في ظل واقع اقتصادي خانق، وبطالة تضرب ملايين الشباب العراقيين، وانعدام الخدمات والسكن، واستفحال الفقر... ؛ والأسوأ من ذلك أن بعض هؤلاء الوافدين متورطون بجرائم، أو مرتبطون بجهات خارجية ذات أجندات سياسية وطائفية خطيرة.
فهل بقي شيء من السيادة؟ وهل سيبقى العراق وطنًا لأبنائه الاصلاء أم ملاذًا لكل من لفظته الأرض ؟
التداعيات الخطيرة لهذه السياسات المنكوسة
*الأمن الوطني في مهب الريح : دخول جنسيات غير معروفة الولاء يفتح الباب أمام الاختراقات الأمنية والاستخبارية، وتشكيل خلايا نائمة تهدد استقرار الدولة ؛ أو تشكيل ميليشيات رديفة تعمل لصالح دول أخرى.
*التغيير الديموغرافي الممنهج : منح الجنسية بلا ضوابط يذيب الهوية الوطنية العراقية، ويؤدي الى تفكيك النسيج الاجتماعي لصالح هويات فرعية أو أجنبية ... , ويخلق واقعًا جديدًا تتحكم فيه الولاءات الطائفية والعرقية بدلاً من المواطنة.
*كارثة اقتصادية واجتماعية: تدفق العمالة الأجنبية في ظل بطالة داخلية خانقة يعني سحب فرص العمل من العراقيين، وزيادة معدلات الفقر والتهميش... ؛ فضلًا عن استنزاف موارد الدولة في تقديم خدمات لملايين الغرباء.
*تهديد السلم الأهلي: التباين الثقافي واللغوي والديني قد يولد صدامات اجتماعية وحروبًا أهلية صغيرة تتفاقم مع الوقت.
*خطر سياسي واستراتيجي: إدخال كتل سكانية جديدة عبر التجنيس سيمكن أطرافًا خارجية من السيطرة على المشهد السياسي مستقبلاً عبر الولاءات العرقية والطائفية... ؛ نعم : لان تجنيس الوافدين يعني إدخال كتل انتخابية جديدة تتحكم بها جهات خارجية، بما يهدد إرادة الأغلبية الاصيلة والامة العراقية ويفقد الدولة استقلال قرارها السياسي.
الخلاصة:
إن العراق أمام مفترق طرق خطير: إما أن يضع معايير وطنية صارمة للتجنيس والعمالة، أو يواجه مستقبلًا مظلمًا عنوانه التمزق السكاني، وضياع الهوية، وفقدان السيادة.
|