لا يمكن فهم واقع الأردن المعاصر دون العودة إلى جذوره التاريخية التي شُكِّلت بفعل سياسات الاستعمار البريطاني، والتي رسمت حدودًا مصطنعة لم تكن معروفة من قبل... ؛ فالأردن، كما نعرفها اليوم، هي نتاج اتفاقيات سايكس بيكو التي قسمت المشرق العربي إلى دويلات تابعة، حيث جُزِّأت أراضيها بين العراق والشام، وأُقيمت ككيان سياسي تعويضيٍّ للعائلة الهاشمية بعد خسارتها الحجاز... ؛ وبالتزامن مع فكرة ايجاد الوطن القومي لليهود في فلسطين .
ومن اللافت أن سكان المناطق الشمالية والشرقية من الأردن، خاصة تلك التي كانت تابعة سابقًا للعراق، يحتفظون بتراث ثقافي وفلكلوري قريب جدًّا من نظيره العراقي، بما في ذلك التغني بذكر الإمام علي في أغانيهم الشعبية، كما يتجلى في أعمال فنانين مثل عبده موسى , فقد جاء في احدى اغانيه الفلكورية : ( الله وعلي وياكم .. ) ... ؛ هذه الروح الثقافية تعكس امتدادًا طبيعيًّا للهوية العربية الإسلامية العلوية الموحدة قبل أن تُقطَّع أوصالها بفعل الحدود السياسية والدعوات الطائفية والتكفيرية .
لكن التحول الكبير جاء مع نشأة الدولة الأردنية الحديثة وترسيخ السلطة الهاشمية، التي رافقتها انتشار موجات من الفكر الوهابي والإخواني المتشدد ، مما أدى إلى تغيير ديموغرافي وثقافي... ؛ كما أن الهجرات الفلسطينية المتتالية بعد النكبات المتكررة أدخلت عناصر جديدة من التوتر، حيث حمل بعض الفلسطينيين معهم جراح الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وانقساماتهم الداخلية وعقدهم وموروثاتهم الطائفية ، فامتزجت هذه العوامل بعقد وتوجهات العائلة الهاشمية ، مما ولَّد تمييزًا طائفيًّا وعنصريًّا صارخًا تجاه الشيعة والامة والاغلبية العراقية .
اليوم، تتجلى هذه التأثيرات الطائفية والسياسية في الخطاب الإعلامي العام و وسائل التواصل الاجتماعي وفي تفاعلات الحياة اليومية، حيث وجه الاعلام الاردني والفلسطيني رسائل سلبية للداخل العراقي ؛ بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لتفريغ هذه الدعوات الطائفية والتكفيرية والدعايات المسيئة للعراق والامة والاغلبية العراقية ؛ مما يعكس أزمة عميقة في المجتمع الاردني والفلسطيني تجاه التعامل مع العراق والعراقيين ؛ وهذه الإشكالية ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات تاريخية من التلاعب الاستعماري والدعوات الطائفية والتنشئة التكفيرية والعلاقات المنكوسة القائمة على تحويل العراق الى بقرة حلوب لصالح الاردنيين والفلسطينيين .
هكذا، يصبح السؤال الملح: هل يمكن للأردن بوضعها الحالي أن تبني علاقة سليمة مع العراق والاغلبية والامة العراقية ، أم أن "بالوعة" الكراهية والطائفية ستستمر في الفوران كلما توفرت الظروف السياسية والاجتماعية الملائمة ؛ والامر نفسه ينطبق على الفلسطينيين ؟؟
وللحديث بقية ...
|