كأشجار السنديان جمالا وقوة، ازدانت حياتي به ، ولدي البكر حسام، به كنت اشدد ازري بعد وفاة ابيه ، واستند عليه في صعاب الظروف رغم حداثة سنه، ابتسامته المرتسمة على محيّاه، لا تمحوها غبار الايام الحبلى بالمواجع والتعب بين الدراسة والعمل، ما بين كتابه وابرته خاط لحياتنا ثوب الكفاف ، فقد كان يعمل خياطا في مشغل ابيه بعد رحيله.
ورغم مسؤولية العمل والدراسة في السادس العلمي والتعب والسهر كان قليل النوم بشكل ملحوظ، كنت اراقبه ليلا بعد الدراسة لم يكن ينام تلك السويعات القليلة قبل الفجر، كان يجلس على مصلاه والدموع تغرق عينيه، كنت اظن انه يشكو لله تعالى مسؤوليته التي اثقلت كاهله منذ صباه، كان يبكي ويبث حسراته واهاته حتى الفجر، يصلي الصلاة المفروضة وينام سويعات قبل المدرسة، كنت اتقطع الما على ولدي وادعو له كثيرا بان يحسن عاقبته، لأنه بالرغم من اني كنت اعمل في التجهيزات الغذائية لأعين ولدي على تدبير امور المعيشة كان يرفض عملي معللا انني واخوته الثلاث مسؤوليته وهو رجل البيت.
في احدى الليالي سمعت نشيجه عاليا، اسرعت الى غرفته وجدته على مصلاه كالعادة ، استرقيت السمع قليلا لان صوته كان عاليا نوعا ما، وجدته يناجي الامام المهدي عج ويبثه شوقه وحنينه وعشقه وانه في كفالته وبعينه، كان حديث عشق اكثر منه حديث مع امام الزمان، فرحت كثيرا واطمأن قلبي لان قلب ولدي بين يديّ الامام وسيأخذ بيده حتما حتى نهاية الطريق، لم اعد افكر في مستقبل ابني كثيرا فهو بعين الامام، وكنت واثقة من ان الامام سيحيطه بنظرة ابوية رحيمة.
عشت ذلك الاطمئنان الروحي حتى اصرّ حسام على الالتحاق بسوح الوغى مع ابطال الحشد المقدس وكنت ارفض رفضا قاطعا معللة بان يهتم بامتحاناته وعمله افضل من الجهاد فهو رجل البيت ومعيلنا انا واخوته الصغار، كان يمسح على راسي بأنامله ويبتسم ابتسامته المعهودة قائلا:
- يا اماه، شهادة الاخرة خير من شهادة الدنيا، وامتحانات الاخرة اولى بالتفكير بالنجاح فيها من امتحانات الدنيا، والشهادة مع امام الزمان توفيق ما بعده توفيق.
كنت مصرة على موقفي بالرفض حتى اكمل حسام امتحاناته وقرر الالتحاق مع فصائل الحشد، كان اندفاعه عنيفا هذه المرة لم استطع مقاومته فوافقت على مضض.
وفي احد الايام طُرقتْ الباب بوجل وحياء، فتحتها لأرى الحيرة في وجوه ثلاثة شباب لا اعرفهم، تلعثموا قليلا ثم تشجّع احدهم وقال:
- خالتي ام حسام، جئنا لنوصل رسالة حسام اليك، " اماه تعلمين انني مجتهد، ودرست جيدا في امتحاناتي وانا واثق من ان معدلي عال وان شاء الله سأرفع رأسك، ولكن كان لديّ امتحان اخر اصعب بكثير من امتحانات الدنيا وتفوقت فيه ايضا لانني كتبت الاجابة بدمي، هوّني عليك يا اماه فانا برفقة امام الزمان اراكِ واخوتي وادعو لكم، فلا تبكي عليّ ولا تشقي عليّ جيبا وتأسي بمولاتنا زينب عليها السلام ولا تقولي الا جميلا ولا تنسيني من دعائك "، علمتُ استشهاد ابني من دموع رفقائه وعملت بوصيته، وعندما استلمتُ نتيجة امتحاناته الوزارية كان معدله ٩٨%، لم افرح بقدر نجاح ولدي في امتحانه الاخروي ، فنجاح الشهداء له منظور اخر يختلف عن حساباتنا المادية، وجدت حسابات نجاحه في دفتره الصغير الذي سلّمه لي اصدقاؤه وهو يعدّ كم مرة جبّ نفسه عن الغيبة، وكم مرة عوّض تقصيره في صلاة الليل بسبب الواجب العسكري، وكم مرّة ادخل السرور على قلب مؤمن، وكم مرة تجرّع الغصص واحتسبها عند الله واودعها عند امام الزمان ليعينه في تحمّلها او حلّها، وبينما مرّت تلك الخواطر بذهني كنت شاردة الفكر، سألني معاون المدرسة: لم لا تفرحي يا ام حسام ،ابنك رفعة راس؟
بكيت وقلت له: فعلا رفعة راس رفع رأسي عند امام الزمان.
ونبأتهم باستشهاده بكى المعاون والكادر التدريسي الحاضر بأجمعه، وكتب المعاون على نتيجته "ناجح بتفوق في الدنيا والاخرة".
|