يقول جورج جرداق : وما عطل على بصيرة المرء، رؤية الرحاب الرحبة والمسافات البعيده، والقمم الشاهقه، إلا غيوم ثقيلات، يتنفس الجهل بين لواعجها فتتراكم وتزدحم وتطغى وتسود نعم ياجورج، غيوم سوداء، ونوايا غدر باتت تزدحم في الخوالج، وقد تعلقت أنفاسهم بريح الغدر والخديعة . مؤامراتهم مكشوفة معلنه، واضحة مذ نطقت بالشهادة، وزهدت في العبادة، وكنت صاحب الريادة . وبديهي قتال الحق قصاد الباطل، كانت أزلية وستبقى . المؤامرة على حياتك لم تكن خلف أبواب مغلقه، بل مكشوف سرها، وباطنها معلن، حين حشدوا الجيوش لقتالك تحت لافتات وإدعاءات كذوب طامعة بما خزن من ذهب يكسر بالفؤوس .
حين هتف قيس إبن الاشعث معلنا تجمد الزمن، وما هي إلا قفزت ظبع، حتى تشق رأس رجل العدالة، وأبيح للزناة ان يدنسوا الحرم والحرمة . برهة وينقض البنيان، وتتهدم للدين أركان، ومادت الارض وزلزلة السماء، وصرخ ملائكتها لقد ذبحت السكينه، وماتت الفضيله، لحق هارون محمد برسوله، ورجع ملك أمية الى أمراءها، لتستبيح خلق الله بكل ما قدر لها من تمزيق للقيم ورسالة العدل الالهي .
نعم ياجورج ويا ملايين الصفحات، التي تقطر أسى، إن الانفس النته المليئة بالحقد، الباحثة عن الامارة السوداء، لا ترضى بالغرة البيضاء، وتعتبر العفة والعفو، والشمائل الكريمة، والعدل في الرعية، وانعدام الالوان، وتساوي الاجناس هو تحطيم لالهة الارستقراطية والطغاة وأهل السطوة، فسلطوا بيدقا ممن دفعته الشهوة لفاتنة، وريثة أكلت الكبود، وصاحبات الرايات ان تقتل العفة والشرف الرفيع . والحقيقة التي لم تكرر، المدركة أن الظافر الغافر، لهو أفضل من العادل الظافر . أنفس تدنو وتحبذ الغلظه، والانقياد أمعات ذلول مذله، وهكذا أدركتنا صفحات التاريخ، أن الراجح فيها، هو صاحب الغلظة والهراوة، والذباح والمتأمر، اللذين ناصبوا وتنصبوا من سلالة " أبي سفيان لال مروان لبسر إبن أرطأة للحجاج، للدوانيقي لهارون للمتوكل، وصولا لال عثمان" ومرت الازمان تتحدث تبحث عن عنوان، واذا بها لا كينونة ولا شأن، بعد مقتل أمير القسط في الميزان .
اليوم يا سيدي... من اين أأتي بالدفق والامكانية لأرثي العدل في الارض، كما امتدت يدك بالامس تمسد على رؤوس اليتامى، تبكيك يتامى وفقراء اليوم، وكل الاقلام العالية المقام، من كل أجناس الارض . حين إنفلقت هامة أنزه وأنبل وأعدل حاكم . وكأنما الارض تحمل البذرتين وفي بودقة الدين ذاته، بين الورع التقي النقي وبين المجرم القاتل الشقي . بين ينبوعين زلال عذب فرات، وأسن عفن، دموي مسموم يسري في حيز الانفس كقناة . نهل من مشربك المناضلون الخيرون المجاهدون، من ارادوا ان تتواصل بالخير الحياة، واخرون ظلاميون وحوش ضالة في الفلاة، من خوارجها وأميتها، وسلالتهم التي أورثت زعانف قاعدة ودواعش، وما إمتدت السلالات من أصول على مر الفصول .
أبا الحسن يامولاي . لقد كان كفاحك في ساحة الحق قصاد الباطل، شجاعة لم يلبسها جلباب الغضب او الحقد، انما يسبقها الرجاء في ان يمضي الاخر مسلك جادة الحق، حتى تبهر بقدر عزيمتك، صفاء ونقاء سجيتك من الحنان والرقة . سيدي كنت تعزف عن نصر مسلح يجر وراءه احقادا ترسخ في قلوب غرماءك . تتوسم الصبر وترجو العدول، وتتوخى الحذر، الا ما استباح وانذر . غايتك ان تنتصر على النفوس الضالة، والاهواء التي طبع في ديادنها، استعباد البشر.
ايها العظيم لبيت دعوة نبيك ص، فسرتما سوية في مشاق درب طويل، حميل لحميل، خليل لخليل، فكشفتم الغمة وخضتم غمار ثورة في حياة تأصل فيها الكثير من قتل ووحشية وعبودية واسترقاق وفقر وهمجية ووأد طفولة وسطوة أوباش على غالبية امعن الفقر فيها.
رحلة شاقه جذبتم فيها المهمشين والمستعبدين كأقوى ما يجذب العقول، ويأنس النفوس ويعيد الامل بماهية ان يحيا الانسان من اجل فكر وعقيدة ترتقي به الى مفاد الاسباب التي خلق من أجلها . خلال الرحلة تعلق بكما وما اصطحبتم بين مسلم ومستسلم، والاثنان في غاية ما دفن في سرائرهم، احدهما نحو الخلاص.. والاخر كان الامر له لابد ولا مناص . اذ اكتسح التيار الشعبي تجار الاوثان وكسيل هادر تدخل الناس افواجا تساوى فيه العبد والمستعبد .
اولست انت القائل : ( أأقنع نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر) لم تبهرك زخارف الدنيا ومالها وتغريك بأحوالها . انت طلقتها طلاق المفارق، ولم تستقبلها استقبال المعانق، وتعرف زينتها المال، ولكن يستوحشك من هو في اقاصيها ولا يملك تلك الزينه، فاتحدت روحك مع العدل والتساوق مع اضعف وافقر رعيتك، فواسيت كراع تحسس جوع وفقر وبرد وحر رعيته . لم تقبلها أميرا بل مشيرا، رفضتها رغم أحقيتها لما حملت من فضائل.
|