أنا سألتحق بالطف؛ لأكون شهيداً بين يدي الحسين (عليه السلام)، نظر الجميع اليه باستغراب، ورماه البعض الآخر بالجنون، بينما يقول مصطفى بكل اطمئنان: من يأتي معنا؟ فهو لا يستثنيني من الذهاب معه ابدا، واثق جدا من غد الشهادة، وأنا متعلق بهذا الوعد، لكن الذي حدث كان يخدش الخاطر، فقد تعرض الى صعقة كهربائية أردته ميتاً..! صاح الناس: تكهرب مصطفى.. حملته مع اهله الى المستشفى وانا أقول له: اين الوعد يا مصطفى، تركتني.. وإذا به يصيح: لا تخشَ عليّ انا لا اموت هنا، انا استشهد هناك في الطف الحسيني وانت معي..!
هي لاشك معجزة الهية، ان تعاد الحياة لمصطفى، وانا رأيته بعيني ميتا، هل خفت؟ الم اعاهدك انا نذهب معاً؟ بكيت ولأول مرة اشعر ان بعض البكاء سعادة، الحمد لله على السلامة.
وبعد أيام تعرض بيت مصطفى الى حريق هائل، شممت الرائحة وسمعت الصياح ولهب النار واذا بصاحبي يداه معقودتان وقدماه يجودان من شدة الألم، والدموع تلهث، وبين صراخ الأم والزوجة وحيرة الاب حملته الى المشفى، وقد تعرض اغلب أجزاء جسمه للحرق، وفي قمة هذه الفاجعة التي ألمّت بي همست في اذنه:ـ هل انت مصر ان تتركني وحدي يا صديقي، هل نسيت وعدك لي؟ الم تتعهد ان تأخذني الى الطف معك، نظر الي مبتسما:ـ لا تخش علي انا لا اموت هنا، ساقوم ونذهب معاً.. انا لا اكذب وعدي، رفعت يدي ادعو الله بحق الحسين (عليه السلام) ان ينجيه.
تلك ذكريات مؤلمة لكنها حولت الاحلام الى اجنحة تطير فوق ازمنة طويلة، لنقف بمواجهة أعداء الله، لقد عادوا بلثام جديد، وساروا تحت لولاء يزيد ثانية، واذا به يناديني:ـ علي هذه الطف امامنا فانهض، قلت:ـ انا معك هنا تحققت النبوءة فأعادها:ـ انا سألتحق بالطف لأكون شهيدا بين يدّي الحسين (عليه السلام).
فصاح الجميع:ـ لبيك يا حسين، وتطوع اغلب اهله واقاربه، كان يسمي الجبهة طفا، والداعشي الشمر، ويقول: هكذا استطعنا ان نطوي الأزمنة لنصوغ حكاية طف حسيني هو امتداد لكربلاء، لذلك كان يسمي جميع الليالي ليلة العاشر.
كنا في قاطع الاسحاقي، وقد تكالب الأعداء لضرب حصار على ابيه الذي كان يقاتل معنا في الطف، وإذا بمصطفى مهدي سهم الربيعي يثور عابسا، يهجم بضراوة فتتراجع امامه الصفوف، وينجح بفتح ثغرة في صفوفهم أدت الى فك الحصار عن المجاهدين، وبعد نجاة الاب عاتب ابنه:ـ لا تندفع بهذا الجنون، فيجيب:ـ ماذا تريد مني، اليس هذا ما نريده من الطف يا ابي؟
أحلام بلون دعاء في الحويش وفي قوة التدخل السريع تعرضت وحدتنا الى هجوم جند ابن سعد كما يسميهم، فقاد وحدتنا الى المواجهة، استشهد جميع المقاتلين وبقينا انا وهو، قلت له:ـ ما العمل؟ قال:ـ سننصر حسينا، لا والله لا نخذله..
:ـ ماذا لو قتل واحد منا؟ اجابني:ـ اطمئن لن اتركك وحدك لابد ان نذهب معاً، وازدادت ضراوة الهجوم المركز علينا، سقطت جريحاً وانا انظر اليه يقاتل بشجاعة عابس، حفر حفرة انزلني بها، وغطى وجهي بعدما أمّن لي طريقا للتنفس، وصعد هو البيت ليقاتل وحده كان عبر هاتفه النقال يوجه الاسناد لدك مواقعهم، وجهوا بعض الانتحاريين كي يتخلصوا من الرصد والاستمكان، ونفذت رصاصة الى جسده، فراح مصطفى الى الطف دون أن يأخذني معه.
|